آخر تحديث: الثلاثاء 10 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
وصايا للقائمين على العملية التربوية

وصايا للقائمين على العملية التربوية

تاريخ الإضافة: 2011/10/14 | عدد المشاهدات: 2291

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رحم الله شهداءنا وحفظ أوطاننا.

أيها الأحبَّة:

كلنا يتحدث عن أهمية البيت من أجل التربية وكلنا يتحدث عن أهمية المدرسة، وما من أبٍ فيكم إلا ويسأل أكثر من إنسان عن مدرسة جيدة لولده فهو يريد أن تكون المدرسة ترعى تربية ولده رعاية سليمة صحيحة.

إذا كانت المدرسة محضناً هاماً وموئلاً أساساً لتربية الأطفال وتربية الأولاد وتربية الشباب، فها أنذا اليوم أتوجه إلى القائمين على المدارس والمراكز التعليمية، أتوجه إلى المدرسين، وأتوجه إلى الموجهين، وأتوجه إلى المديرين، وأتوجه إلى المرشدين والتربويين، أتوجه إلى كل أولئك قائلاً لهم:

أيها الموجهون، أيها المعلمون، أيها المدرسون، أيها المديرون، أيها المرشدون:

التفتوا إلى أبنائكم، إلى طلابكم، إلى تلاميذكم، إلى شبابكم، إلى من تُعلّمون، وحاولوا أن تحققوا في ذلك الأمور التالية، اسمع مني أيها الموجه فأنا أحبك وأقدّرك وأحترمك، وأريدك أن تكون راعياً أميناً لهؤلاء الذين وضع الله مسؤوليتهم في عنقك فهيا إلى:

أولاً: حبِّب إلى طلابك وتلاميذك وشبابك الإيمان بالله وزيّنه في قلوبهم، حبب إليهم الإيمان برب العزة جلَّت قدرته لأن الإيمان يعطي للمُتحلّي به الاطمئنان، ونحن نريد لتلاميذنا وطلابنا وشبابنا أن يكونوا مطمئنين: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ لأن الإيمان بالله يعطي بعد الاطمئنان قوة: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ لأن الإيمان يعطي للمؤمن بعد الاطمئنان والقوة الرقابة: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، المؤمن يستشعر رقابة الله له، وبالتالي يحسن عمله، وبالتالي يجيد هذا الذي أُسند إليه، ويسعى من أجل أن يكون محسناً في أداء عمله، حبّب إليهم الإيمان، هذا أولاً، من أجل القوة والإيمان والرقابة والوازع، ولا تنسَ أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح مسلم فقال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: (قل آمنت بالله ثم استقم). حبب إليهم الإيمان أولاً، هذه مسؤوليتك.

ثانياً: شجعهم على الصبر على طلب العلم، لأننا الآن نلقى تلاميذاً وطلاباً لا صبر لهم على طلب العلم، بل وضعوا كل إمكانيات صبرهم في مشاهدة التلفاز، يقعد الواحد منهم أمام التلفاز ساعاتٍ وساعات، بَيْدَ أنه إذا أراد أن يجلس إلى كتبه ليدرس إذ بصبره ينفد بعد لحيظات، شجعهم أيها المدرس أيها الموجه أيها المربي على الصبر على طلب العلم وقل لهم ما قاله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسبما جاء في الترمذي: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)، وعلمهم بحالك قبل قالك كيف يكون الصبر على طلب العلم، علمهم أن هذا اليوم ينبغي أن يكونوا فيه أفضل مما كانوا عليه بالأمس، وأن الغد ينبغي أن يكون أفضل مما كانوا عليه اليوم، وهكذا دواليك، ومن لم يكن يومه أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه، فهو مغبون وخاسر وسيبوء بالفشل شئنا أم أبينا، شجِّعهم على الصبر على طلب العلم، وأعلمهم أن التفوق عبادة، بل من أفضل العبادات، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما يروي أبو يعلى: (إن الله يحبّ من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) والإتقان تفوق، هذا أمرٌ ثانٍ لا أريدك أن تنساه أيها الموجه أيها المعلم أيها المرشد أيها المدرس أيها المدير أيها العامل في حقل التربية، أو التعليم العالي، أو الأوقاف، أو في أي مجالٍ تلقى فيه أمامك طالباً أو تلميذاً أو موجَّهاً أو إنساناً يتلقى عنك.

ثالثاً: نمِّ فيهم حب الوطن، وادعهم من أجل أن يذودوا وأن يدافعوا عن هذا الوطن، وهل الوطن يا طلابنا إلا هذا الفضاء الذي تريد أن تحقق فيه ما تعلمته، فإن لم يكن لك وطن فأين تريد أن تشخِّص هذه المعارف التي تلقيتها وتلك المعلومات التي تعلمتها، نحن نريد أن نتعلم وأن نتعرف من أجل أن نحوّل هذا العلم وهذه المعرفة إلى واقع في وطننا الغالي على قلوبنا، وقد تحدثنا كثيراً عن حب الوطن وعن فريضة حب الوطن وأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام علَّم الدنيا وعلمَّ الناس كلهم كيف يجب على الإنسان أن يحب وطنه وكيف يجب على الإنسان أن يمارس هذا الحب على أرض الواقع، نمِّ في طلابك في هؤلاء التلاميذ حبَّ الوطن، ضع هذا في ذهنك، وأنا أقول لك هذا وأوجه الكلام لنفسي أولاً، وبعد ذلك إليك.

رابعاً: علِّم الطلاب والتلاميذ التعاون، وقل لهم إن التعاون فريضة: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ علمهم كيف يكونون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. مشكلتنا أننا متفرقون، أننا مُشتتون، كيف نكون صالحين لكننا لسنا مُوحَّدين ولسنا متعاونين ولسنا متضامنين ولسنا متباذلين، علِّم طلابك أيها المدرس التعاون وقل لهم إن التعاون فريضة وقل لهم إن التآخي فريضة، أوليس الله قد قال في محكم آياته: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ علمهم هذا وليكن التعاون على حب الوطن على نفع الوطن على خدمة الناس على إرضاء الديّان على العلم على المعرفة على كل هذا الذي ذكرنا. لعلي وقد قرأت اليوم مقولةً أعجبتني، سُئل أحد المفكرين أوليس في العرب اليوم والمسلمين روّاد ؟ فأجابهم: نعم، هنالك رواد وهنالك أصحاب ريادة في العلم، في المعرفة، في الاختراع، في الإبداع، ولكن المشكلة - وأريد أن يفهم شعبنا العربي والمسلم هذا - إن الحضارة لها جناحان لا تطير إلا بهما، هنالك جناح الريادة، وهنالك جناح الاستجابة، رائد من غير مستجيبين له لا يمكن أن تكون حضارة، نحن نمتلك رواداً فعندنا علماء وعندنا فقهاء وعندنا مبدعون وعندنا مخترعون ولكن هل تستجيبون لهم، وهل علمتم أبناءكم وطلابكم أن يستجيبوا لأولئك، أم علمتموهم إن بوعي أو بغير وعي أن يستجيبوا للغوغاء، أن يستجيبوا للا مفهوم، أن يستجيبوا لما يضرهم ولا ينفعهم، يموت العالم ولا يُتأسف عليه، يموت العالم ولا يعرف أحدٌ منا وهو من أصلٍ عربي ومن أصل سوري ربما لم يعرف أحدٌ به ولم يذكره بخير، لكننا نتفقد موتى السياسة والسياسيين هل مات سياسي ؟ هل مات إنسان يشتغل بما لا يعود بالنفع على الناس بالغوغاء ؟ إذن سيعرف بموته كل الناس.

لا أريد أن أشتتكم لكنني أذكركم وأؤكد على أن الحضارة تطير بجناحين بالريادة والاستجابة، وإياك أيها الرائد في مجالٍ ما يا صاحب الإبداع إياك أن تيأس إن لم ترَ استجابة، حقٌ أن تيأس، لكنني أريد أن تتجاوز هذا الحق، طبيعي أن تيأس لكنني أريد أن تتجاوز هذه الطبيعة، اصبر على إبداعك وعلمك ومعرفتك حتى ولو لم تلق أمامك أي إنسان لأننا نحتاج إلى صبر ومصابرة فأنا أصابرك وأدعوك على المتابعة.

خامساً: أصِّل في طلابك وتلاميذك الخُلق الحسن، وركز على أخلاق أربعة، على الحياء لأن الحياء عنصر الحضارة الإنساني الأهم، والعفة، والصدق، والأمانة، ركز على هذه الأخلاق.

أيها الموجه والمدرس هذه أمور ووصايا أحببت أن أضعها أمامك، سجلتها كتابةً لسائل سألني عنها، وها أنا أقولها في خطبة الجمعة وستكون هذه الخطبة على موقع إلكتروني، وسيقرؤها كثيرون، ولذلك همي أن يصل صوتي إلى الموجهين في بلدي حلب على الأقل، لأقول لهم ولأؤكد لهم ولأكرر لهم: يا شبابنا يا أيها المدرسون يا أيها الموجهون يا أيها التربويون: حببوا الإيمان إلى قلوب الطلاب، شجِّعوهم على الصبر على طلب العلم، نموا فيهم حب الوطن، ادعوهم إلى التعاون والتآخي، وأخيراً أصِّلوا فيهم الأخلاق الحميدة، وأخص بالذكر وأكرر الحياء والعفة والصدق والأمانة، وحسبي أن أدعوك لتفكيرك، عندما تتخيل إنساناً طالباً يتمتع بالحياء والعفة والصدق والأمانة، حدث  عندئذٍ عن رفعة الإنسان، عن عظمة الإنسان، عن عظمة مشروع إنسان مبدع، نحن نريد الإصلاح يا شباب، ولكن نريد الإصلاح في كل بؤر المجتمع، وبيدكم مقاليد الإصلاح أيها التربويون في المدارس والمعاهد والجامعات بيدكم إن وضعتم أمام أعينكم هذه الأغراض وهذه الغايات، وأكرر وأؤكد: حبب إليهم الإيمان، شجعهم على الصبر على طلب العلم، نمِّ فيهم حب الوطن، ادعهم إلى التآخي والتعاون، أصِّل فيهم الحياء والعفة والصدق والأمانة، اللهم إني أسألك لطلابنا وتلاميذنا عيش علمٍ ومعرفة، أسألك لطلابنا وتلاميذنا أن يكونوا على مستوى إنسانيتهم وعروبتهم، لأن العروبة في النهاية هي أصالة للعرب وإسهام لغير العرب في بناء إنسانية متماسكة، رُدَّنا يا رب إلى دينك رداً جميلاً، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 14/10/2011

 

التعليقات

شاركنا بتعليق