آخر تحديث: الثلاثاء 10 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
أصلحوا المدارس يصلح المجتمع

أصلحوا المدارس يصلح المجتمع

تاريخ الإضافة: 2011/10/21 | عدد المشاهدات: 2367

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

سنذكر شهداءنا دائماً بالرحمة، وسندعو لوطننا بالأمن والأمان والحفظ والرعاية والازدهار.

أيها الأعزاء، أيها المؤمنون:

ما دامت المدرسة ذات أهمية كبرى في نشر الفضيلة والخير في المجتمع، وكأني بها كالفرد، إذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، ذكرنا في الأسبوع الفائت توصياتٍ وقلنا للمرشدين والموجِّهين ولكل التربويين توجهوا إلى الطلاب فهم أمانة في أعناقكم، حببوا إليهم الإيمان ونمّوه، شجعوهم على طلب العلم ثانياً، نموا فيهم حب الوطن ثالثاً، ادعوهم إلى التعاون والتآخي فيما بينهم رابعاً، أصّلوا فيهم الخلق الحميد وبشكل خاص الحياء والعفة والصدق والأمانة خامساً.

أما اليوم فاسمح لي أيها المدرس وأعتقد أن منكم مدرسين، فإن لم يكونوا مدرسين في المدارس فهم مدرسون في بيوتهم لأبنائهم إذ لا تخلو هذه الصفة ولا تنخلع هذه الصفة عن أحد منكم، لأنكم إما أن تكون مدرساً رسمياً في مدرسة ما وإما أن تكون أباً لأولاد فأنت مدرسهم، وإما أن تكون أخاً لإخوة فأنت مدرسهم، وإما أن تكون شيخاً في مسجد فأنت مدرس، وإما أن تكون صاحب معمل فأنت مدرس لعمالك، أو صاحب متجر فأنت مدرس لأولئك الذين يعملون لديك، وهكذا دواليك... لكنني أخص بالذكر حتى لا يكون الأمر عاماً وأقرب إلى الاتساع الذي لا ينحصر، أتوجه إلى المدرسين بالمدارس والجامعات بشكل خاص، أقول لهؤلاء من أجل أن يكون كلامكم مؤثراً عليكم أن تتقنوا عملكم، لذلك أيها المدرسون، أيها المحاضرون: أتقنوا عملكم ودروسكم تحضيراً وأداءً فذلك أمانة، وإهمال ذلك خيانة. هل تحضّر الدرس قبل أن تذهب لإلقائه في المدرسة أو في الجامعة ؟ هل تحضّر ما تريد أن تقوله قبل أن تذهب إلى بيت أختك لأن في بيت أختك أولاداً هم أولاد أختك ؟ هل تحضّر يا أستاذ الجامعة درسك ومحاضرتك قبل أن تذهب إلى الجامعة ؟ هل تحضّر تحضيراً جيداً متقناً بحيث تُلمُّ بهذا البحث الذي تريد أن تلقيه أم أنك تدرّس من خلال العادة ؟ درّستَ سنتين أو ثلاث سنوات هذه المادة فالآن تدخل المدرسة من غير تحضيرٍ، وتلقى طلاباً وليس في يدك ما يدل على أنك اشتغلت قبل المجيء إلى المدرسة ؟ أتريد أن تكون مدرساً مُرضياً لربك، إذاً أتقن عملك، وأتقن درسك تحضيراً وأداءً، فذلك أمانة وإهماله خيانة: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسبما رواه أبو يعلى، وهناك حديث، ولعلك أيها المدرّس تدخل في عداد من ذكرهم الحديث بشكل أساس، يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية) وأنت أيها المدرس استرعاك الله رعية، ورعيتك هؤلاء الطلاب فهم في أمانتك: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة) وفي رواية: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة) فهل يجوز لك أن تهمل وأنت تسمع هذا الحديث وهذا الكلام من موجِّهك وموجهي، من قائدك وقائدي، من سيدك وسيدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فلا تكن يا أخي بعيداً عن الجنة، ولا تكن خائناً لرعيتك، حضّر درسك، اتقن تحضير درسك أداءً واستعداداً، لملمة لما يلزم من العلم، ولملمة لما يلزم من الخُلق ومن الموقف ومن السلوك، وإلا فلا أريدك يا أخي أن توصف بالخيانة، ولا أريد لنفسي أن نوصف بالخيانة، أتريد أن تصلي عليك الملائكة ؟ إذاً أتقن عملك، أنا لا أحذّرك ولكن أحذرك وأرغبك، أتريد أن تصلي عليك الملائكة ؟ جاء في الترمذي والطبراني: (إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، حتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير) ستصلي عليك ملائكة السموات والأرض، وستصلي عليك الحيتان في بحارها، والنمل في جحوره إن أنت أتقنت عملك وابتغيت وجه ربك في عملك هذا، وإياك أن تشتغل كما يدّعي بعضنا أحياناً يشتغل على قدر الراتب، لا يا أخي أنت في عملك تعبد الله، أنت تصلي فمن الذي يعطيك الراتب على الصلاة ؟ أتريد أن تكون صلاتك غير متقنة لأنك لا تأخذ راتباً عليها، من الذي يعطيك راتباً على تربيتك أولادك ألأنك لا تأخذ راتباً على تربيتك أولادك أتريد أن تكون مهملاً وأن تكون في طريق لا يمتُّ إلى الاستقامة بصلة. هذا للمدرسين أولاً.

ثانياً: أتوجه إلى المدرسين والطلاب، لأن الطلاب يحتاجون أيضاً إلى أن نتوجه إليهم قائلاً لكلا طرفي العملية التدريسية للطالب والأستاذ للتلميذ وللمعلم: يا هؤلاء، احترموا الكبير، وارحموا الصغير، واعرفوا للعالم حقه، أيها الطالب: عليك أن تحترم مدرسك، وأصبحنا نشكو من طلابٍ لا يحترمون مدرسيهم، ولطالما سمعتم أنتم وسمعنا من بعضنا، رحم الله أيام زمان كان الطالب يقف أمام مُدرّسه باحترام وأدب، أما اليوم فأصبحنا نخاف على الأستاذ من طالبه، وعلى المدرس من تلميذه، لأن التلميذ صار يدخل إلى المدرسة وكأنه داخل على خانٍ، لا يعرف للاحترام معنىً ولا يعترف بالتقدير صفة إنسانية، وإنما يدخل إلى المدرسة وقد حُمِّل بالهاتف الجوال وحمّل لسانه بالكلمات البذيئة، وحمّل عقله بالتمرد على القيم، وحمّل كله ما هو ضد العفة والحياء، حتى صار التدريس عملية يهرب الناس منها، يقول لي قائلهم أنا لا أريد أن أكون مدرساً لأنني أدخل إلى المدرسة فأشعر بأنني إنسان أقرب مني أن يكون محتقراً من أن يكون محترماً، لأن التلاميذ والطلاب يُدعمون من آبائهم ومن بعض الجهات الأخرى، وقد تكون هذه الجهات رسمية، فيا أيها الطلاب اسمعوا قول نبيكم، قول هذا الرجل الذي قال بكلامه وقوله وحاله: (ليس من أمتي من لم يجلَّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) لستَ من أمة هذا الذي تنتسب إليه ولست من أمة الخير إن لم تحترم مدرسك، إن لم تلتفت إلى مدرسك، إن لم تلتفت التفاتة الإنسان الواعي، ولتكن العلاقة بينكم أيها المدرس والطالب علاقة رحمة متبادلة، عليك أيها المدرس أن ترحم طالبك من خلال لسانٍ سليم صادق، ومن خلال قلب رؤوف حانٍ، وقد قلت لكم فيما مضى دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم كان يقول: (اللهم إني أسألك لساناً صادقاً وقلباً سليماً).

أيها المدرس توجه إلى طالبك بلسان صادق وقلبٍ سليم حانٍ، وأنت أيها الطالب توجه إلى مدرِّسك بأذن واعية وقلب شكور ولسان يلهج بالاعتراف بالفضل لهذا المدرس وبالتواضع لذاك المدرس وإلا فأنت مقصّر. أتوجه إلى المدرس والطالب من أجل أن تكون العلاقة علاقة رحمة متبادلة.

أخيراً:

أتوجه إلى جميعنا قائلاً لجميعنا: علينا أن نقف موقفاً مسؤولاً وموقفاً صريحاً وموقفاً آمراً بالمعروف أمام كل مفسد ومتهتك ومخرّب، لأننا أُمرنا أن نكون أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. المدرسة مصونة فلماذا تريدون تخريبها ؟ الطالب محترم فلماذا تريدون احتقاره ؟ التدريس عملية شريفة فلماذا تريدون تدنيسها: (إن الناس إذا رأوا منكراً) هكذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسند أحمد: (إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يُغيّروه يوشكوا أن يعمهم الله بعقابه) علينا أن نكون جميعاً يداً واحدة تقمع كل مخرّب ومفسد، نريد لطلابنا أن يتعلموا، نريد لطلابنا أن يكونوا أصحاب حياء، نريد لبناتنا أن يكن صاحبات عفة، لذلك علينا أن نجتمع وأن نتآلف وأن نتعاون ضد كل مخرّب لعملية التدريس، لعملية البناء، لعملية العطاء، لعملية تكوين الجيل الذي نرقبه من أجل أن يكون جيلاً أصلح من جيل اليوم، كما كان الجيل السابق يريد لجيلنا أن يكون أصلح من جيل الأمس، فيا أيها الناس: المدارسَ المدارس، احموها نظفوها صونوها، أخلاقَ الطلاب أخلاق الطلاب اعتنوا بها، انظروا إليها نظرة مسؤول، هيا إليها من أجل أن تحسنوها، من أجل أن تجعلوها في ارتقاء في سلم الرفعة والسؤدد، يا أيها الناس نريد لطلابنا أن يكونوا رجال علمٍ وطلاب علم في المستقبل، وهذا لا يكون من خلال ما نفعل في مدارسنا، نحن لا نُعنى بمدارسنا، ويزداد الأمر سوءاً عندما يقوم من يقوم بحجز الطلاب، وضرب الطلاب، ومنع الطلاب، ومنع الأساتذة وضرب المدارس، لنتوجه جميعاً وأخاطب الجميع، أخاطب الدولة والشعب، أخاطب الجهات كلها من هنا وهناك، المدارس أمانة في أعناقكم، والعلم أمانة في أعناقكم، فإن أنتم توجهتم إليها بشيء من الإفساد توجه الله إليكم بالقمع والتنكيل، لأن الله لا يريد من الناس أن يعيشوا من أجل غاياتٍ عبثية، لكنه يريد لهم أن يعيشوا ليعبدوه والعبادة هي المعرفة، ويأتي في رأس العبادة العلم والمعرفة، فإن اعتدينا على العلم ومكان العلم عند ذلك فالنهاية خطيرة وسيئة.

أيها الجميع، يا وزارات التربية والتعليم، أيها الآباء، أيها الشباب، أيها المعنيون وعلى اختلاف توجهاتكم، أيها الشعب أينما كنتم، في أيّ الطرق سرتم، في أي الفريقين حللتم: اللهَ الله في مدارسنا، اللهَ الله في طلابنا، اللهَ الله في علومنا، اللهَ الله في جامعاتنا، اللهَ الله في مراكزنا العلمية، نحن نريد لأطفالنا أن يكونوا عماد المستقبل من حيث العلم والعمل والنفع والعطاء، فلا تجعلوهم يكرهون الدراسة والتدريس وينفرون من العلم والتعليم، فالقارعة ستصيبكم إن فعلتم هذا.

أسأل الله أن يوفقنا ويجعلنا في خدمة العلم الشريف، والخلق الحميد، والسلوك النبيل، وأن يجعلنا أقوياء في مواجهة كل مفسد ومخرّب حيال هذه الفضيلة العظمى، فضيلة العلم، فالعلم قال عنه ربي عز وجل على لسان نبيه: ﴿وقل رب زدني علماً﴾، فاللهم زد مجتمعاتنا علماً، وزدنا علماً، وزد طلابنا علماً، وزد شبابنا علماً، وزد الجميع علماً، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 21/10/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق