آخر تحديث: الجمعة 21 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
عناوين المجتمع المنشود (الصَّالح الربَّاني) –4-

عناوين المجتمع المنشود (الصَّالح الربَّاني) –4-

تاريخ الإضافة: 2021/12/26 | عدد المشاهدات: 79

 

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

لا زلنا نشرح ما أسميناه بسِمات المجتمع الرباني الصَّالح المنشود وهي: عُبودية خالصة لله، العِلم والمعرفة، الفضيلة والخُلُق، الحُرية والوَعي، السَّلام والأمان، العَدالة والإنصاف، التكافل والتراحم. شرحنا العبودية وشرحنا التراحم والتكافل، وشرحنا العلم في خاصية من خواصه، واليوم وأنا أتحدث عن الفضيلة والخلق، قلت بيني وبين نفسي: الحديث عن الفضيلة والخلق حديث طويلٌ طويل، لذلك فكَّرت وفكرت وقدَّرت وقلت لعلي وعساي أن أتكلم عن خلق، عن فضيلة تكون هذه الفضيلة هي أُسُّ وأهم الفضائل، بحثت في قائمة الأخلاق والفضائل فما وجدت فضيلة تشكل أساً مهماً لسائر الفضائل وما وجدت خلقاً يشكل بنية تحتية لسائر الفضائل أقوى وأهم من الأمانة. إن تحلَّيتَ بها فقد قمت ببناء الأساس وإن تخليت عنها فبُنيانك مهما كان في الظاهر عالياً فهو على جُرُفٍ هار وسينهار. الأمانة هي مُهمِّة الإنسان الأولى، لماذا ؟ لأن الله ائتمنك على حياة، هذه الحياة هي قيمة عظيمة، ائتمنك على حياتك وعلى وجودك، وهل هنالك قيمة بالنسبة لك ولغيرك أغلى وأعلى وأقوى من قيمة الحياة التي أنت الآن تتقلب على لوائحها وصفحاتها وفي رحابها، ائتمنك فأعطاك الحياة، فهل تضيع حياتك التي أعطاك الله إياها العزيز الحكيم الكريم وائتمنك عليها، هل تضيعها بما لا يعدلها ؟ هي قيمةٌ عظمى فهل تحافظ عليها بشروط مَن ائتمنك عليها ؟ أعطاك الحياة وقال: هي عندك أمانة فحافظ عليها بشروطي أنا من ائتمنت، وأنتَ قبلت وتمتَّعت وعِشت ورضيت، فالأمانة هي أعظم الفضائل لأنها تتعلق بالقيمة العظمى، هي الحياة التي ائتمنك الله عليها، فهيا إلى استعمالها بشروط المؤتمِن وهيا إلى عدم تضييعها بما لا يَعدلها ويُعادلها. وهذا ينطبق أيضاً على كل مُفردات الحياة من مالٍ ومهنةٍ وطعامٍ وأولادٍ وَسَكنٍ وبيت ووظيفة وعلم و.... كل الأشياء التي خصَّك الله عز وجل بها. الأمانة – إذاً – هي المهمة الأولى لك والمحافظة عليها ورَدُّها وعدم تضييعها فرضٌ رباني وفرض إنساني وفرض وجداني، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك) سترد الأمانة أنت، ستسلم روحك إلى بارئك بقدر محتوم محدود، بموعد محدد، ستسلم هذه الأمانة لربك فهل ستسلمه هذه الحياة وكأن الحياة صفحة، هل ستُسلمه إياها وقد مُلئت أشياء إيجابية: نوراً وروائع، أم ستُسلمه إياها ملوثة مبعثرة لا تَمتُّ إلى النظافة ولا إلى الطهارة بصلة، ستسلم الأمانة إلى من ائتمنك وقد أشبعتَها أشياء لا تليق بها، أو وقد ضيَّعتها، أو وقد عفَّرتها بالأسوء وبما لا يليق، وبأشياء لا تمتُّ إلى إنسانيتك بصلة: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لكنه ارتدَّ إلى أسفلِ سافلين فسلَّم الأمانة التي استلمها على أحسن تقوبم، سلَّمها في أسفل سافلين، فخانَ الله ورسوله ونفسه والإنسانية ووجدانه وضميره (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك).

ثانياً: أنت مؤمن، ولذلك قال لي بعض الإخوة الأكارم أنت تقول: أيها المسلمون المؤمنون إن شاء الله، مسلمون أكيد، لكن هل هم مؤمنون ؟ نسأل الله أن يكونوا وأن نكون كذلك. أتريد أن تعرف فيما إذا كنت مؤمناً ؟ أتريد أن تتعرف على معيار إيمانك ؟ من خلال الأمانة، إن كنت أميناً فأنت مؤمن، من خلال أمانتك، هل أدَّيت الأمانة بأمانة، هل أديت الأمانة بشروطها، هل كنت أميناً عل تلك الأمانة التي أودعت عندك ؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) إذا كنت أميناً فأنت مؤمن، جرِّب وافحص ومحِّص نفسك، هل أنت أمين لأمانة الله عندك ؟ هل أنت أمين مع أمانة العباد عندك ؟ هل أنت أمين في درسك، وفي تجارتك، ومع سِنيِّ حياتك، وفي صلاتك، ومع جارك، ومع عقلك ؟ العقل أمانة عندك فهل أدَّيت الأمانة حقها، وهل حفظت أمانة العقل وأمانة الجسد فأطعمته وسقيته، أو ربما خُنته من خلال إعطائه ما لا يصلحه فأنت خائن للأمانة، هل أشبعتَ عقلك بغذائه المناسب: بالعلم والمعرفة والاطلاع والعبادة والعبودية: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) هل تريد أن تعرف بأنك مؤمن، هيا إلى الأمانة حيثما كنت. هل أنت أمين على رعيتك، في وزارتك، في مديريتك، في أذانك، في جامعك، في إمامتك، وتؤدي الأمانة بشروطها أو على الأقل هل أنت تقوم بالأمانة فإذا ما أخطأت أو قصرت استغفرت وتُبت وتراجعت: (إن الذين اتقوا إذا مَسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) لم يقُل الله عز وجل لا يمسهم طائف، قال إذا مسهم، ولكن تذكروا، تابوا وأنابوا ورجعوا (فإذا هم مبصرون).

من مفردات الأمانة التي استودعها الله عندك وعند هذا الذي بجانبك الأخوة، قال لكم: (إنما المؤمنون إخوة) وهذه أمانة أودعتها عندكم، حافظوا عليها، قوموا بشروطها، نفِّذوا أبعادها ودلالاتها، حافظوا وصونوا حرمتها، فهل أنت ممن يصون أمانة الأخوة: (المؤمن أخو المؤمن، يَكُفُّ ضَيعَته ويَحُوطُه مِن وَرائه) فهَل أنت تحافظ على أمانة الأخوة بهذا ؟ تَكُفُّ ضَيْعَة أخيك، أي إذا ما خسر أو ضاع منه شيء تُلملم له مصيبته، تسعى بكل قواك من أجل أن تُلملم مصيبته، لأنه أخوك، وليس هذا الذي يشترك معك في النسب فقط، بل أخوك في الإيمان، يحاول أن يرأبَ صدعه ويكشف عنه ضُره وأن يطمئنه، (ويحوطه من ورائه) يحفظه في غيبته. انظروا مجالسنا ولقاءاتنا، هذا كلام ليس من أجل الإنشاء ولا من أجل التعبير، بل من أجل المعالجة، نُشخِّص من أجل أن نعالج وأن نتحقق وإلا سيكون هذا الكلام وَبالاً علينا. انظروا مجالسنا، هل نحن نحوط إخوتنا في غيبتهم أم لم تعد في نظرنا أي حرمة لغَيبة الإنسان المسلم الذي غاب عنا شخصه، ولما حضر توليناه بالنفاق والمنافقة، توليناه بالكلام المعسول الذي لا نتكلم معشاره في غَيبته بل على العكس نتكلم عكس الكلام الذي نتكلمه في وجهه. من مفردات الأمانة الأخوة. انظروا أخوتنا فيما بيننا، هل نحن نحفظ هذه الأمانة ؟

مفرداتٌ أخرى لن أتكلم عنها في هذه الخطبة، سأرجئها إلى خطبة لاحقة، وكلي أمل ونحن ننتظر الأسبوع القادم أن يبحث كل إنسان منا في سلوكه وفي حياته عن القيام بالأمانة، ولا سيما تلك التي تتعلق بحياته، وبمكوناته، بأمانة القلب والعقل والروح والحياة قبلاً وبعداً، ابحثوا فإن كنتم مقصرين فتوبوا إلى الله، ولنتُب جميعاً إلى الله، وإن لم نكن مقصرين – وما أعتقد ذلك – وليس هذا من باب التشاؤم بل من باب التوصيف، ولا أعتقد كذلك فلنحمد الله ونشكره، ولنزدد إحساناً بقيامنا بهذه الأمانات التي أودعت لدينا وعندنا، اللهم إنا نسألك أن نكون من أهل الأمانة، من أولئك الذين يؤدون الأمانة إلى من ائتمنهم بشروطها وأبعادها وضوابطها ودلالاتها يا ربَّ العالمين، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

أُلقِيت في جامع "السيِّدة نفيسة عليها السلام" بحلب الجديدة بتاريخ 24/12/2021

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/a8qq4uzDwr /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق