آخر تحديث: السبت 25 يونيو 2022
عكام


بحوث و مقولات

   
رؤية لما يسمى الموت الرحيم والقتل الرحيم

رؤية لما يسمى الموت الرحيم والقتل الرحيم

تاريخ الإضافة: 2022/06/17 | عدد المشاهدات: 67

- المنطلقات :

التَّسميات المتعددة: القتل الرحيم، الموت الرحيم، الموت الكريم، تيسير الموت للمريض، القتل بدافع الرحمة، القتل إشفاقاً.

المنطلق الأول: الحياة مقدّسة في الإسلام، والمحافظة عليها من مقاصد الدين الحنيف.

المنطلق الثاني: التداوي المفضي إلى الشِّفاء على أغلب الظن - بحسب رأي الأطباء - وكذلك الذي يحافظ على الحالة الصحية للمريض، أو يبطئ التدهور وهو واجبٌ .

وهذا ما تقتضيه المحافظة على الحياة التي هي المقصد الأهم للشرع الحنيف، ويدعم ذلك ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (تَدَاووا، فإنَّ الله لم يَضَع داءً إلا له دواء غير داء الهرم)، وكان صلى الله عليه وسلم يُديم التَّطبب في صِحته ومرضه، كما جاء في البخاري.

المنطلق الثالث: ليس إلينا أمرُ الإفتاء في مثل هذه القضايا، بل إلى الاختصاصين من علماء الحياة والطبِّ والدَّواء المسلمين، لأنهم أقدر على تصوُّر القضية منَّا، والفتوى حُكم، ولن يكون الحكم صادقاً إلا إذا صدر عَمَّن يُحسن تصور القضية محلَّ الحكم. ومن هنا نُذكِّر بواجب وفريضة التعلُّم وطلب العلم الشرعي المتعلق بعملك واختصاصك، فالطَّبيب عليه أن يتعلم الأحكام الشرعية الملامسة والمرتبطة والمتعلقة بشؤون الطب، والمهندس بشؤون الهندسة، والتَّاجر بشؤون التجارة وهكذا... ونحن في هذه الأمور مُشاوِرون ومُستَشارون.

المنطلق الرابع: مَيَّز الفقهاءُ المعاصرون بين القتل الرحيم (الفعَّال) والموت الرحيم المنفعل (السَّلبي)، فمَنعوا الأول وحرَّموه، وأجازوا الثاني وأباحوه.

فالأول: أن يقومَ الطَّبيب بإجراءٍ فَعَّال يُودي بحياة المريض الميؤوس من حياته وشفائه، بناءً على طَلبٍ مُلحٍ منه بإعطاءِ المريض جرعةً عاليةً من دواء قاتل، فهذا يُعَدُّ الطبيبُ فيه قاتلاً والمريض منتحراً. وكلا الأمرين القتل والانتحار مُحرَّمان تحريماً فظيعاً.

والثاني: والذي يُسمُّونه أيضاً تيسير الموت المنفعل، وهو تسهيلُ وفاةِ المريض الميؤوس من شفائه، وذلك بإيقافِ جهازِ التَّنفس أو عدم وضعه أصلاً عندما يحتاجه المريض بناءً على طلب المريص أو وليِّه. وهذا جائزٌ عند كثيرٍ من الفقهاء المعاصرين، أما عندي - الدكتور عكَّام - فغيرُ جائز.

المنطلق الخامس: المحافظةُ على الحياة مَقصَدٌ من مَقاصد الشريعة، والوسيلة المفضية إلى هذه المحافظة واجبةٌ، بغضِّ النظر عن قوة الحياة وضعفها، وعن شِدَّتها أو رَخاوتها، فالمهمُّ أصلها. ومَن الذي يُقدِّرُ أنَّ هذا النوع لم يَعُدْ مُعتَبراً من الحياة التي أُمرنا بالمحافظة عليها ؟!

المنطلق السادس: النسبية في تحديد اليأس من الشفاء أو استمرار الحياة، تجعلُ التَّقديرَ مُختَلفاً فيه ومُضطرباً، فما يمكن أن يكونَ ميؤوساً منه في الصُّومال لا يكون ميؤوساً منه في الهند وهكذا.... وما يمكن أن يكونَ مَيؤوساً منه فيما يخصُّ فلاناً الإنسان العادي لا يُمكن أن يكون مَيؤوساً منه بالنسبة للشَّخصية المعتبرة الهامة، وما دامتِ العِلَّة في الحكم غير منضبطة فإننا لا نعتبرها ونقيم السببَ المنضبط مكانها في الاعتبار.

المنطلق السابع: نخشى أن نُفتي بالجَواز فيؤدِّي هذا إلى فوضى الغايات والأهداف، وتتغير نظرة المريض للطبيب من نظرة غارقٍ إلى مُنجِد إلى نظرةِ غارقٍ إلى مُؤكِّدٍ للغرق، ويتحوَّلُ الطَّبيب من باحث عن الحياة إلى مُقدِّمٍ للموت، وقد سَمَّى الرسول صلى الله عليه وسلم الطَّبيب رفيقاً، وما هكذا يكون الرفق، ولا هكذا تُوردُ يا سعد الإبل، وسيؤدِّي هذا أيضاً إلى فُتورِ الهمم بالبحث عن أدويةٍ لأمراضٍ مستعصية. ولقد قرأتُ أنَّ إيطاليا تمنعُ رفعَ الأجهزة حتى عن الذين صارَ لهم في الغَيبوبة عِدَّةُ سِنين.

أخيراً: نصيحتان:

أما الأولى للأطباء: من أجلِ أن يَزدادوا عِلماً واطِّلاعاً، وقد قالَ الرسول صلَّى الله عليه وسلم: (مَن تَطبَّب ولم يُعلَم منه الطِبُّ قبل ذلك فهو ضامن).

والثانية لنا نحن الذين نتمتع بالصِّحة: من أجل المحافظة عليها وصِيانتها ورِعايتها والعمل على الوقاية من كل مرض، والسَّعي للشِّفاء من كُلِّ مَرضٍ ألمَّ بنا أو حَلَّ، قال صلى الله عليه وسلم: (نِعمتان مَغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصِّحة والفراغ) رواه البخاري.

الدكتور محمود عكام

التعليقات

شاركنا بتعليق