أمَّا بعد، فَيَا أيُّها الإخوةُ المسلمونَ المؤمنون إنْ شَاءَ الله:
شَكا لي أحد الإخوة قائلاً: القلقُ والاضطرابُ يَسكُناني، أشعرُ بالضِّيق يَنتابني ويكادُ مع الضيق اليأسُ والقنوطُ يَدخلان قلبي، أو يُصِرَّان على أن يكونا في داخلي، فما السَّبيل - بالله عليك - إلى استقرار النفسِ ورَباطة الجأش واطمئنانِ الفؤاد ؟ حدِّثني بربك، فالجوُّ يكادُ يُمطِر يأساً، ويكادُ يَقذِفُ بالضيق والوجع، فماذا أعمل ? قلتُ له: أتريد الاطمئنان ورباطة الجأس ? قال: نعم هذا الذي أريد. قلت له: ما عليكَ إلا أن تُفَعِّلَ الإيمانَ في داخلك باللهِ عَزَّ وجَل، لتكونَ على يقينٍ بأنَّ الأسبابَ نادَت في أفلاكها: إنَّ الله من ورائها، آمِن باللهِ المطلَق ذي الصِّفات المطلقة، ذي الأسماءِ المطلقة، وكُن على يقينٍ: أنَّه لا يخفِضُ ولا يَرفع، ولا يُعطي ولا يَمنع، ولا يُفرِّق ولا يَجمع إلا الله، كن على يقينٍ أنَّ الله عَزَّ وجَل هو الفعَّالُ المطلق، كُن على يقينٍ أنه هو الغفورُ الوَدود، وأنَّه الرَّشيد الصَّبور، وأنَّه السَّلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبارُ المتكبِّر، وأنه لا إله يفعلُ إلا هو، ولا إله يُؤثر إلا هو، ولا إله يميت إلا هو، ولا إله يُحيي إلا هو، ولا إله يَشفي إلا هو، فَعِّل إيمانك بالله، وقل: يا ربِّ شكوتُ إليك أمري، ورفعتُ إليك أمري، وبثثتُكَ شَكواي، اِرفعْ أمرك إلى ربكَ عَز وجل، واعلم بأن الله عز وجل الحكيمَ العليمَ هو الذي يتصرف، فـ:
سَلِّم الأمرَ إلينا نحنُ أولى بِكَ منك
لا تُدَبِّر لكَ أمراً فذوو التَّدبير هَلكى
إن عصيتَ فاذكر الله الغفَّار، وإن حَزنت فاذكر الله عزَّ وجل المعطي المفَرِّج:
أنا مُذنبٌ أنا مُخطِئٌ أنا عاصي هو غافرٌ هو راحمٌ هو عَافي
قَابلتُهنَّ ثلاثةً بثلاثةٍ ولتَغلِبَنْ أوصافُه أوصافي
لكنك لا تُفعِّل الإيمان فأنت بعيدٌ عن ربك عَزَّ وجل، أتريدُ أن تطمئنَّ ويقوى إيمانك وأن تكون في ساحة الاطمئنان والاستقرار ورباطة الجأش؟ إذاً قُم في الليل فَصَلِّ ركعتين بنيةِ أن يُفرِّجَ الله عنك وعمَّن حولك وعمَّا حولك، أتريد أن تكونَ أنتَ في ساحة الاطمئنان والاستقرار ? إذاً أمسِك بالمصحف واقرأ آياتٍ من كتابِ الله عز وجل، اتلُ آيةَ الكرسي، اتلُ أواخرَ سورة البقرة، اتلُ سورةَ الفاتحة، اتلُ المعوذات، تذكَّر أن ربَّك عز وجل هو المفرِّج، فإنَّ الفارجَ اللهُ، هذا أولاً.
ثانياً: عليك أن تثق ثقةً مُطلَقة برسولِ الله عليه الصَّلاة والسلام: أنا لا أخافُ من الزَّمان وخطبه ومحمدٌ رسولُ الله قدوتي وأسوتي. أنا أثقُ كلَّ الثقة برسول الله، وأنه أسوتي وقدوتي العظيم الرسول الكريم، الذي وقفَ في ساعةٍ سوداءَ حالِكة ليقول: (أنا النبيُّ لا كَذِب، أنا ابنُ عبدِ المطَّلب)، (إنِّي رسولُ اللهِ إليكم جميعاً) ضَع رسولَ الله في داخلك فستطمئنُّ (واعلموا أنَّ فيكم رسول الله)، كُن على يقين بأنك إن وثقتَ برسول الله حَفَّتكَ السَّكينة، ونَزَلَت عليكَ الرَّحمات، وعِشتَ ساعاتِ اطمئنان، كيفَ لا وهذا النبيُّ الأعظم سَندك وسَيِّدك في الحياة الدنيا وفي الآخرة ? أوما قلنا لكم أكثر من مرة عندما قالَ النبيُّ الأعظم: (ما مِنْ أحدٍ يُسَلِّمُ على إلا ردَّ اللهُ على روحى حتى أردَّ عليه السَّلام)، (من صَلَّى عليَّ من قريبٍ سَمعته، ومَن صلَّى عليَّ مِن بعيدٍ أُبلِغتُه)، (أنا محمد)، أنت تابعٌ لهذا الذي قال: (أنا محمد، أنا أحمد، أنا سيدُ ولد آدم، أنا أولُ مَن يُحرِّكُ حِلَق الجنة بيده، آدمُ فمَن بعده تحتَ لوائي يوم القيامة، أنا الحاشِر يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمي، أنا العاقِب، والعاقبُ مَن لا نبيَّ بعدَه)، ثِق برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم، صلِّ عليه، نَاجِه، نَادِه، فو اللهِ ستَطمئن إن أنت صَلَّيتَ عليه ووثِقتَ به شافعاً، ووثقتَ به صاحبَ مَدَد لك في هذه الحياة التي تعيشها أيها الإنسان المسلم الباحث عن اطمئنان.
الأمر الثالث: عليكَ أن تطمئنَّ إلى مصيرك، ستموتُ ستموت، ستموتُ الناسُ كافة، لكن هنالك فرق بين من يموت ولا يعرف إلى أين سيكون، أو إلى أين سيؤول، وبين من يموت ويعرف بأنَّه سيؤول إلى خيرٍ مما كان عليه بآلافِ المرات، لما حضرتِ الوفاة بلالاً رضي الله عنه كانت زوجته حولَه تقول: "واحزناه، واكَرباه" فقال بلال: لا تقولي هذا، قولي: وافرحتاه، غداً ألقى الأحِبَّة محمداً وصحبه، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جناتُ الفِردوسِ نُزُلاً) لا تَخف من الموت، "قتلاهم في النار"، هكذا قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، "قتلاهم في النار، وقتلانا في الجنة" استُشهد من استُشهد في الأيام السالفة من أبناء فلسطين، من كبارٍ وصِغار، في الجنةِ إن شاءَ الله، (أحياءٌ عندَ رَبِّهم يُرزَقون) جاءَ أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا رسول الله مَن الذي يُحاسبنا يوم القيامة ? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله). فقال الأعرابي: فُزتُ وربِّ الكعبة، لأنك مُقبلٌ على الله، هو الذي سيُحاسبك، فقال له النبي: ولماذا قلت هذا ? قال: يا رسول الله إن الكريم إذا قدر عفا. أنت مقبل على ربٍّ عز وجل فإذا لم تَهَبِ الموتَ واطمأننتَ إلى مصيرٍ طيِّب خَيِّر عند ذلك سيخافُ منك هذا العدو الذي ليسَ لتطلعه من حدود إلا تلك الحياة الدنيا، يلهو ويرتع ويلعب، أما أنت فإن هذه الحياة هي بوابةٌ لحياةِ الآخرة: (وإنَّ الدارَ الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)، لا تقلق يا أخي، إن عِشتَ عِشتَ حَميداً، وإن متَّ مُتَّ شهيداً أو مُتَّ على الإسلام، وشفاعةُ رسولِ الله ستأتي، ورحمةُ ربي عز وجل ستأتيك، (فلا يزالَ الله يَرحَم) هكذا ورد في الحديث يوم البعث والنُّشور: (فلا يزالُ اللهُ يَرحمُ، ولا زِلتُ أشفع، حتى تقولَ مَلائكةُ العذاب: يا مُحمَّد ما تَركتَ لِنِقمةِ ربك في أمتك شيئاً)، اطمئنُّوا رغمَ كُلِّ كل المصاعب والشَّدائد، أما الشُّهداء رحمهم الله وآنسهم الله، وهم الآن في عليين، و: (وما من أحد يدخل الجنة) هكذا قال سيد الكائنات من وثقنا بكلامه ووثقنا بفعله ووثقنا بأنبائه ووثقنا بأخباره: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد)، يعني لو أنك قلتَ لهذا الذي مات ارجع إلى الدنيا ولكَ كُلُّ ما على الأرض من أرزاقها وثرواتها لن يَرضى لأنه وجد أفضلَ عند ربه عز وجل (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإنَّ له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ويقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) إلا الشهيد إن قلت له ارجع إلى الدنيا، يقول نعم، أريد أن أرجع إلى الدنيا. يا للعجب ! ذاك الذي مات من غيرِ شهادة لا يُحبُّ أن يرجع إلى الدنيا، أما أنت يا شهيد تحبُّ أن ترجعَ إلى الدُّنيا وأنت عند الله حَيٌّ، نعم، (إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا) لماذا ? (فيقتل عشرَ مرات لما يرى من الكرامة) يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليقتل ويكون شهيداً، ثم ثانية وثالثة، لأنه رأى مقامَ الشهداء عند ربهم عز وجل يُرزقون. لا تقلقوا يا أمة محمد، يا أمة الأمين، إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، اطمئنُّوا من خلال إيمانكم بالله عز وجل، اطمئنوا من خلال ثقتكم بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، اطمئنوا من خلال المصير الطيِّب الخيِّر، (إنِّي لأجِدُ ريحَ الجنة من دون أُحُد) هكذا كانَ يقولُ الصَّحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، الجنةُ إن شاءَ اللهُ مَوعدنا، لأننا آمنَّا بالله، ووثقنا برسول الله،
وقد أَتيتُك بالتَّوحيدِ يصحبه حُبُّ النَّبي وهذا القدرُ يكفيني
اللهمَّ صلِّ وسلم على النبي المصطفى، نِعْمَ مَنْ يُسأَلُ ربُّنا، ونِعْمَ النَّصيرُ إلهنا، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله .
ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 2/8/2024
لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا
ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب
https://www.facebook.com/akkamorg/
لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.
التعليقات