آخر تحديث: الأربعاء 05 مايو 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
توضيحات واحترازات حول الإيمان -1

توضيحات واحترازات حول الإيمان -1

تاريخ الإضافة: 2010/09/17 | عدد المشاهدات: 2193

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لا زال الحديث عن الإيمان، ولمَ لا ؟ وأنت أيها الإنسان عندما يُطلب منك أن تعرّف بنفسك، فإنك تقول بأنك مسلمٌ مؤمن، أو على الأقل بينك وبين نفسك تقول عن نفسك بأنك مؤمن، لكن كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لو يُعطى الناس بحسب دعواهم لادَّعى قومٌ دماء قومٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) وسؤالي لك ولنفسي هل أنت مؤمن فعلاً ؟ إن سُئلت عن صحتك فستقول بأن صحتك جيدة، ولكنك لا تكتفي بهذا، لا تكتفي بمقولتك عن نفسك، وإنما تذهب إلى طبيب مختص من أجل أن تتأكد فيما إذا كان قولك عن صحتك صحيحاً أم لا، تذهب إلى المخبر من أجل أن تفحص دمك، وتذهب إلى المصوّر من أجل أن يصورك الصورة التشريحية الموضحة لما عليه جسمك داخلاً وظاهراً وهكذا دواليك...

الآن أسألك هل أنت مؤمن ؟ الجواب ستقول لي نعم. هل أنت متأكد من أنك مؤمن أيها الإنسان الذي يرتاد المساجد حسب الظاهر ؟

أذكّرك بما قلته لك منذ خمسة أسابيع: أنت بين إيمان وإسلام، والإيمان أهمّ وأجدى من الإسلام، لأن المنافق قد يكون مسلماً، أما أن يكون مؤمناً فغير ممكن، حدّثتك عما تقوي به إيمانك، وذكرت لك ذلك، وحدثتك عن ثمرات الإيمان وبيّنت لك بعد ذلك الدلائل والعلامات التي إذا استوفيتها كنت مؤمناً، وكان الحديث عن علامات الإيمان على مدى خطبتين، أما اليوم، وأرجو أن تضع هذا في ذهنك لأن القضية التي أتحدث عنها قضية مصيرية، تتعلق بهويتك وبذاتيتك وبدنياك وأخراك شئت أم أبيت، فإما أن تكون مؤمناً وتتأكد من هذا الإيمان، وإما أن تعلن أن الأمر لا يهمك، وبالتالي لا عليك إذا كنت داخل المسجد أو خارجه، داخل سور هذا الدين أو خارجه، لا عليك بعد ذلك، المهم في عصرنا هذا أن يتأكد كلٌ منا من نفسه ومن صفاته ومن وضعه قبل أن يتأكد من صفات غيره، عليكم أنفسكم، ﴿لا تُكلَّف إلا نفسك وحرّض المؤمنين﴾، فكِّروا في أنفسكم قبل أن يفكر الواحد منا في الآخر، فكروا في إيمانكم، فكروا في إسلامكم، فكروا في دلائل وبراهين إيمانكم قبل أن تفكروا بما يجري هنا وهناك في الحكومة الفلانية والسياسة الفلانية، قبل أن تفكروا بالمذهب الفلاني، وبما يقوله أهل هذا المذهب عن أهل ذاك المذهب، فكّروا بأنفسكم هل أنتم إن وقفتم أمام ربكم يوم تقف الناس أمام ربها هل ستقولون لربكم بأنكم مؤمنون وتدلّلون على ذلك، أم أنكم ستقفون أمام ربكم لتقولوا له: كنا في غفلة عن هذا، وكنا نهتمّ بما يقوله فلان في البلد الفلاني عن فلان في البلد الفلاني، كنا نهتم بما يقوله السياسي الفلاني والمذهبي الفلاني عن السياسي والمذهبي الفلاني، كنا نهتم بهذا المذهبي أي المنتسب إلى المذهب، كنا نهتم بأخبارٍ لا تضرنا ولا تنفعنا، أما الاهتمام بما ينفعنا لم نكن كذلك. وعندها يا ويحنا ويا ويلنا.

أعيدوا النظر فيما رسمتُه أمامكم من صورةٍ لهذا الإيمان من حيث تقويته، ومن حيث ثمراته، ومن حيث علاماته، أعيدوا النظر فيما قلته لكم عن الإيمان، وتأكدوا، فأنا قد قدمت لكم ما يسمى بالنشرة الصحّية الإيمانية وعليكم أن تنظروا إليها، واليوم، وفي الأسبوع القادم سأتمم في هذه النشرة بعض الأمور التي وضعتها تحت عنوان توضيحات واحترازات.

التوضيح الأول: الإيمان أفضل الأعمال عند الله عز وجل، سأل أبو ذر سيدي رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري: (أي الأعمال أفضل يا رسول الله ؟ قال: الإيمان بالله) أنت تصلي لكن الأفضل من الصلاة الإيمان، كما تتأكد من نفسك فيما إذا كنت صليت أو لا، تأكد من نفسك فيما إذا كنت مؤمناً أم لا.

التوضيح الثاني: أذية المؤمن خذلانٌ وبهتان، إياكم أن تؤذوا مؤمناً بألسنتكم أو بأيديكم: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً، إياكَ أن تؤذي مؤمناً فورب الكعبة إنه لإثمٌ وشرٌ مستطيرٌ وكبير، وإنه لبهتان وخذلان، تأكد من نفسك فلربما آذيت مؤمناً من حيث لا تدري، تكلمت عليه، أسأت إليه، كنت جباناً فتكلمت عليه في ظهره إياك أن تؤذي مؤمناً ومن باب الاحتياط إياك أن تؤذي إنساناً يُعرَف عنه بأنه مؤمن، وليس من شرط إيمانه أن تحكم عليه أنت بالإيمان، تستطيع أن تحكم على نفسك بالإيمان أما أن تحكم على الآخرين بالإيمان فهذا ليس إليك، لذلك من باب الاحتياط: من عُرف بالإيمان إياك أن تؤذيه بلسانك أو بيدك أو بأي شيء يمكن أن يصدر عنك، انتبه لهذا، حاسب نفسك اليوم مساءً هل آذيت مؤمناً بكلمة ؟ هل تكلمت عنه ؟ هل اغتبته ؟ هل حرّضت عليه ؟ هل دفعت إنساناً من حيث لا تدري أو من حيث تدري من أجل أن يؤذي مؤمناً ؟ هل أثرت عند إنسانٍ حقداً على مؤمن ؟ كل هذا يجب أن يكون في حسبانك وكل هذا يجب أن يكون على بالك، وإلا فالقضية خطيرة، وأخشى ما أخشاه ونحن نسمي أنفسنا مؤمنين أن نكون غثاءً كغثاء السيل.

التوضيح الثالث: الإيمان أساس العمل الصالح، عملٌ صالح بلا إيمان شجرةٌ بلا جذور، أسِّس صلاتك على الإيمان وأسس زكاتك على الإيمان وأسس حجك على الإيمان وأسّس بيعك وشراءك وحكمك وقضاءك وطبّك وتدريسك على الإيمان الذي ذكرناه وذكرنا ثمراته وذكرنا أساليب تقويته وذكرنا دلائله وعلاماته وبراهينه، الإيمان أساس العمل: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً﴾، شرط العمل الصالح الإيمان، اعتمد في عملك على إيمانك وإلا لا قيمة لعملك شئت أم أبيت.

التوضيح الرابع: الإيمان من أجلك أنت ليس دعوى باللسان، ما كان الإيمان في يوم من الأيام دعوى باللسان، لكن الإيمان حقيقة وصفات وسِمات ذكرتها وتحدثت عنها وكثيرٌ من الناس يقولون عن أنفسهم بأنهم مؤمنون: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض﴾ هل في قلبك مرض ؟ انظر نفسك، هل الإيمان بالنسبة لك دعوى باللسان أم حقيقة تعيشها أم صفات تتحلى بها أم أخلاق تتَّسم بها ؟ الإيمان ليس دعوى باللسان.

الاحتراز الخامس: للإيمان حلاوة، فهل تشعر بهذه الحلاوة حتى تتأكد من أنك مؤمن ؟ يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً) من رضي وليس من قال رضيت بالله رباً من رضي فعلاً حقيقة، وبالإسلام ديناً يعني بالاستسلام لله عز وجل عن طواعية واختيار وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. ويقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) هل تحب هذا الذي بجانبك ؟ لماذا ؟ لأنه مؤمن، أحبه ومع الحب عطاء ومع الحب افتداء ومع الحب وفاء ومع الحب فناء ومع الحب لقاء ومع الحب كل الصفات الطيبة الخيرة (وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) جاء ذلك في صحيح البخاري، أتريد أن تذوق حلاوة الإيمان ؟

هذه التوضيحات التي ذكرتها سأتممها في الأسبوع القادم على أمل أن يعيد كلٌ منا النظر في إيمانه كما يعيد النظر بين الفينة والفينة في صحته وفي جسمه، فإيماننا أغلى من صحتنا لا أقول الأغلى، لأن صحتنا غالية أيضاً، ولأن إيماننا يدعوننا أن نهتم بصحتنا، فلنتأكد من إيماننا كما نتأكد من صحتنا ولنتأكد من إيماننا كما نتأكد من حساباتنا ومن أموالنا، أنت تتأكد في كل شهر من حساباتك وهذا أمرٌ جيد، وتتأكد من صحتك وتتأكد من بيتك ومن صلاحية بيتك وتتأكد من صلاحية سيارتك وتتأكد من صلاحية الطعام الذي تتناوله وتتأكد وتتأكد، أما إيمانك فهل تتأكد من إيمانك وهل تختبر إيمانك وهل تتطلع إلى علامات الإيمان والتي تدلل على وجود الإيمان عند من يتحلى بها ويتسم بها ويتصف بها وقد ذكرتها وعرضتها لك عبر خطبتين كاملتين، أريدك أن تعرض نفسك على هذه الدلائل والبراهين لتتأكد، وها أنذا قد قدمت لك بعض التوضيحات فيما يخص الإيمان وسأكمل لك المسير فيما يتعلق بهذه التوضيحات في الأسبوع القادم.

أسأل الله العلي القدير الرحمن الرحيم أن يجعلنا مؤمنين حقاً، فإذا كنا مؤمنين حقاً انطلقنا في عملٍ صحيحٍ صالح، وإذا ما انطلقنا في عملٍ صحيح صالح لم يعد عندنا الوقت من أجل أن نضيعه في التفاهات والسخافات والمهاترات والاعتداءات والغفلات، ولم يبق لدينا وقت من أجل أن يسبَّ هذا ذاك ومن أجل أن يشتم ذاك هذا ومن أجل أن يعتدي في بلادنا المؤمنون على بعضهم، ولن يبقى هناك وقت من أجل أن يكون هناك برامج يسفّه الناس المؤمنون بعضهم بعضاً، وإنما إن آمنا فعلاً وعملنا صالحاً فسننطلق لإصلاح الكون والإنسان، وهذه مهمتنا أن نصلح الكون والإنسان برفقٍ ولطف وعطاء: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾، تأكدوا من إيمانكم، وتأكدوا من صلاح عملكم، وتأكدوا من سداد قولكم، لأن كل ذلك ستسألون عنه من قبل أجيالٍ لاحقة ومن قبل رب العباد الذي يعلم السر وأخفى، اللهم وفقنا لذلك، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 17/9/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق