آخر تحديث: الإثنين 11 تشرين الثاني 2019
عكام


كلمة الشـــهر

   
الحج بين المرابع والمغاني

الحج بين المرابع والمغاني

تاريخ الإضافة: 2002/02/13 | عدد المشاهدات: 2775

لكل إنسان مرابع ومغانٍ ، وما أروع المرابع والمغاني حينما تكون داعمة للمبدأ ، وما أنبلها حين يوجدها المبدأ ذاته ، فإنها إن عُزلت عنه كانت شواخص لا تعني شيئاً ولقد ارتبطت مرابعنا ومغانينا بتوحيدنا ربنا ومحبتنا نبينا ، فانبثق منها تاريخ مجد وسؤدد ، وصدرت عنه أمة موَحدة قدّمت للناس جميعهم طريقاً سوياً وصراطاً مستقيماً .
وما الحج إلا زيارة واعية لتلك المرابع والمغاني ، يستجمع فيها المسلم نفسه ليؤكد مع الله عهده ، ويدعم مع ربه ولاءه وعبوديته ، عنوانها تلبية : " لبيك اللهم لبيك " ومحتواها قصد مفاده : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم )
و ( إياك نعبد وإياك نستعين ) . وأركانها إحرام وتلبية ، وطواف وسعي ، ووقوف ورمي .
أما الإحرام والتلبية : فرَوْعَةُ العبادة تجرد وبيعة ، خلعٌ للسِّوى ووَلاءٌ للقيوم ذي الجلال والرفعة ، فما ثَمَّ إلا الباري وما ثم إلا من عنت له الوجوه اختياراً واضطراراً صاحب العز والمنعة . فهل نُعَمِّم الإحرام في كل حياتنا فنخلع ما يحمل نسبةً لغير الله ، ونلبس ما رضيه الله لنا خِلعة ؟
وأما الطواف : فهو ملازمة ، والسبعة من الأشواط رمز الدوام وعلامة الاستمرار ، ولا بد للإنسان من محور يطوف حوله ، فاختر لنفسك في الطواف مَحَجّاً وملتـزماً تحافظ عليه ، وما أظنك إذ تصدق في طلبك ، وتُعمل قلبك بعد عقلك ، إلا طائفاً حول الكعبة المشرفة تلك التي تستقبل مرساة الإنسان في بحر الحياة لتجعله ثابت الجنان ، قوي الفؤاد ، زكي الفكر واللسان .
ثم السعي بعد الطواف : إعلام الدنيا شرقاً وغرباً أن قد وجدت ما وعدني ربي حقاً ، فهل وجد ذاك الذي طاف بغير البيت العتيق حقاً ؟
والوقوف بعرفة : لأن عرفات ملتقانا ، ومكان حنيننا من حنايانا ، فيها يعرف الإنسان حجمه ويدرك حاجته ويعلم فاقته ، ومن كل ذراته تتصاعد أنسام اعتراف ، ترتفع فلا يعرف مداها ، تنشر على الكون عبقاً يشمّه أهل الموقف وغيرهم ، أريجه وعطره تجليات : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله )
.
والرمي : هو البراءة من الشر وأهله ، والسوء ودعاته ، والفساد ورواده ، وما البراءة تلك التي تعني الابتعاد والاجتناب فحسب ، لكنها الابتعاد والإقصاء ، وإذ نرمي هنا متبرئين من هذا الذي يسمّى " الشيطان " ممثل الشر والسوء والفساد ، فمن أجل متابعة الرمي والإبعاد والإقصاء في حياتنا كلها ، وحصاة الخير بأيدينا نحملها دائماً ونرمي بها شيطاننا ومن والاه ، ونعلن ونحن نمسكها تمسكنا بشريعة الرحمن وهديه ، ومن لم يرمِ رُمي ، فـ : " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً " .
فاللهم اجعلنا قائمين بأمرك ، داعين إلى صراطك ، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر . يا أرحم الراحمين.

د. محمود عكام

1/12/1422

التعليقات

شاركنا بتعليق