آخر تحديث: السبت 18 مايو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
منظومة الحج

منظومة الحج

تاريخ الإضافة: 2009/11/13 | عدد المشاهدات: 2812

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

نعيش هذه الأيام، أيام فريضة الحج وكعادتنا في كل سنة نقول: لا شك في أنكم أحد الأشخاص التالية: إما أن تكون أنت ممن سيحج هذا العام وإما أن تكون قريباً لحاج، وإما أن تكون صديقاً لحاج، وإما أن تكون قد حججت منذ زمنٍ مضى، ولا شك في أن الجميع ينوون الحج فيما سيأتي إن كانوا قد حجوا أو لم يكونوا قد أدوا هذه الفريضة.

ومن أجل أن تكون هنالك منظومة بسيطة لا تمتُّ إلى فقه الفريضة بصلة، لكنها تمتُ إلى ما يجب أن يحفظه ويكونه كل واحدٍ منا في ذهنه عن هذه الفريضة، فإليكم هذه المنظومة التي هي بعنوان: منظومة الحج، وهي منظومة مختصرة وأعني بالمنظومة أنها تتحدث عن الحج، وتغلق الحديث عن الحج بكلماتٍ ليست كثيرة وبعباراتٍ ليست طويلة، حتى إذا ما سُئلتَ من قبل ولدك أو من قبل إنسانٍ آخر عن هذه الفريضة فليكن الجواب كما يلي:

أي بني، أي صديقي، الحج فرض وركنٌ خامس من أركان الإسلام، والله عز وجل قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في صحيح مسلم: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا). الحج فريضة أولاً، قل هذا لمن سألك وقل هذا لنفسك، الحج ركنٌ خامس، (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً) جاء ذلك في الصحاح، بعد أن أدركنا وبحسّ المسلم المؤمن فرضية هذا الركن، علينا وقد اخترت هذا من أجل تكوين هذه المنظومة في ذهنكم سأتحدث عن شرطين هما شرطان لكل عبادة، سأتحدث عن شَرْطَيهِ وعن فائدتيهِ وعن درسيهِ، فريضةٌ لها شرطان ولها فائدتان ومنها نستقي درسين.

أما الشرطان وهما شرطان لكل فريضة ولكل عبادة:

الشرط الأول: الإخلاص، بنيةٍ تتوجه فيها إلى الله عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ هذا هو الشرط الأول، الإخلاص، وقد قرأت حديثاً يوم أمس من كتابٍ عن الحج، ينقل هذا الحديث صاحب الكتاب وهو ليس بحديثٍ مرفوعٍ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه حديثٌ موقوفٌ على صحابي يسمى أنس بن مالك فيما يتعلق بالإخلاص، يقول أنس: (يأتي زمانٌ على امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحج فيه أغنياؤه للنزهة) تذكروا يا إخوة أننا نتحدث عن الإخلاص في الحج وهو شَرطٌ من شرطين، (وأوسطهم للتجارة) أي والذين هم بَين بين، ليسوا أغنياء ولا فقراء، (وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للرياء) أي علماؤهم. فيا أيها الأغنياء ويا أيها الفقراء ويا أيها المتوسطون ويا أيها القراء: تنبهوا لقضية النية في الحج، النية في الحج لله عز وجل: (إن الله قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) له أي لله عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾ هذا هو الشرط الأول.

الشرط الثاني: الصحة، أي أن تكون هذه الفريضة عندما تقوم بها موافقة لشرعٍ ورد عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن تكون موافقة للأحكام الشرعية الصحيحة، لأن نبينا قال فيما يخص الصلاة مثلاً: (صلوا كما رأيتموني أصلي) والحديث صحيح، وقال فيما يخص الحج: (خذوا عني مناسككم) ولا تأخذوها عن أهوائكم ولا تأخذوها عن عاداتكم، فالشرط الثاني أن يكون عملك في الحج وقولك في الحج وحجك موافقاً للأحكام الشرعية الصحيحة الثابتة عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن القرآن الكريم بلا شك، لأن القرآن الكريم هو المصدر الحق والأساس لشريعتنا ولديننا ولأخلاقنا.

وأما الفائدتان: فهل تريد فائدةً أكبر من أن يغفر ذنبك ؟ هل تطلب فائدة أعظم من أن يكون ذنبك مغفوراً ؟ من أن تكون الذنوب صغيرها وكبيرها مغفورة ؟ وها هو سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في صحيح الإمام مسلم: (من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) هذه فائدة عظيمة كبيرة، تصور أيها الحاج، وتصور يا أخَ الحاج، تصور يا قريب الحاج، تصور يا من تنوي الحج، تصور يا من حججت في الماضي، تصور هذه الفائدة التي يجنيها الحاج، هل تريد فائدة أعظم من هذه ؟ كلنا يدعو ربنا عز وجل صباح مساء يقول: اللهم اغفر ذنوبنا. ها هي ذنوبك قد غُفرت أيها الحاج بكلام وترخيص وتصريح سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟

الفائدة الثانية: ستكون أنت هناك مجاب الدعوة، وهل تريد أيضاً فائدة أعظم من هذه الفائدة، فائدتان ما أظن أن واحداً منا يبحث عن أعظم منهما، إذا دعوت الله هناك فسيجيبك ربي وقد قال هذا وصرَّح بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال كما في سنن النسائي بسند صحيح: (الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم) هاتان الفائدتان فما أعظمها من فائدتين لك أيها الحاج.

أما الدرسان، فالحج يعلمك النظام والدقة، لا يمكن أن تصدر أو تنفر من عرفات إلا حينما تغرب الشمس، عند غروب الشمس يحق لك، أما قبلها بثانية لا يجوز، عليك أن تطوف سبعة أشواط إن طفت ستة أشواط فلا يمكن أن يكون الطواف صحيحاً، السعي بين الصفا والمروة، النزول إلى مزدلفة، رمي الجمرات، عدد الحصيات التي تجمعها وترمي بها كل ذلك بنظامٍ دقيق، فالحج يعلمك النظام والدقة، فهيا أيها الإنسان المؤمن يا من تريد أن تحج ضع في ذهنك وأنت تذهب إلى الحج أن تتعلم النظام والدقة هناك لتعود بهذا الدرس إلى هنا وأن تطبِّقه في بلدك هنا في أعمالك، وبالمناسبة أيها الإخوة فإن اليوم الذي سيأتي بعد غد هو يوم أسمته الأمم المتحدة منذ أربع سنوات "بيوم ضحايا المرور العالمي"، هؤلاء الضحايا كانوا ضحايا بسب الإخلال بالنظام المروري شئتم أم أبيتم، خولف النظام فكانت النتيجة ضحايا، ضحايا بشرية، كانت النتيجة أمواتاً، كانت النتيجة دماءً، كانت النتيجة أولاداً لنا وأولاداً في العالم يضيَّعون ويذهبون هباءً، وأنا الآن أغتنم هذه الفرصة من أجل أن أذكركم بضرورة أن نكون منظمين لأننا ونحن نعيش في هذا البلد، هذا الذي يتقيد بنظام المرور لا يتقيد بذلك إلا لأنه ضعيف فإذا ما شعر بشيء من القوة خالف كل النظام، وما ينطبق على المرور ينطبق على كل نظامٍ عندنا وللأسف الشديد إلا من رحم الله ولا أريد أن أعمم وكما أقول وأردد من عمم أخطأ، لكن هذا ينطبق على الأغلب، النظام يطبقه الضعيف الخائف، أما القوي والذي يعدُّ نفسه مسؤولاً أو يعد نفسه معتمداً على مسؤول فإنه لا يأبه لتطبيق النظام، إذا ما رأيت إنساناً فوضوياً فاعلم أنه قوي مادياً إن كان من حيث المال وإن كان من حيث الدعم وإن كان من حيث السلطة، لا يجوز هذا أيها الإخوة، لا تتجاوزوا السرعة المقدّرة، اذهبوا إلى بعض بلاد الغرب لتشاهدوا بأعينكم كيف يتقيد الناس هناك بنظام المرور، كيف يتقيد الرئيس والمرؤوس بنظام المرور، كيف يتقيد الكبير والصغير، المرأة والرجل المدعوم وغير المدعوم، صاحب السلطة ومن لا سلطة له، صاحب المال ومن لا مال له، أما هنا فالنظام على الضعيف المسكين، هذا الضعيف نفسه إن وجد نفسه قد أضحى قوياً فالمخالفة والفوضى عنوانه.

الحج أعود معكم إليه، درس الحج الأول النظام والدقة، في مواعيدنا هل نحن منتظمون، هل نحن دقيقون ؟ في إتياننا للصلاة للجامع نحن لا نعرف النظام ولا الدقة، أتحدث عن بؤرة أخرى في مجتمعنا، أتحدث عن المساجد بشكلٍ عام، هل ترون أكثر فوضى في خروج الناس ودخولهم وأكثر تأخراً إلى حضور الصلاة وأكثر تقدماً وإمعاناً في مزاحمة الناس من المساجد وممن يقصدون ويرتادون المساجد ؟ انظروا إلينا ونحن نخرج من المسجد، انظروا إلينا ونحن نحمل الجنازة إلى المقبرة، انظروا إلى الفوضى ونحن نقوم بدفن الميت في قبره، يتزاحم الناس حتى يكاد الواحد من هؤلاء والذي يقف على شفا حفرة القبر يقع في القبر، لماذا ؟ هكذا لأننا فوضويون في حملنا الجنائز، في صلاتنا، في ارتيادنا المسجد، في خروجنا من المسجد، في دخولنا الجامعة، في خروجنا من المحاضرة، في صفنا أمام شراء أي شيء نحتاجه، وهؤلاء الناس عددهم قد بلغ العدد الكثير إلى حدٍ ما فإنك سترى الفوضى عنواناً على كل هذه البؤر التي تحدثت عنها، فهل هذا فعل حاج تعلم في الحج النظام والدقة ؟ وهل هذا فعلُ مسلم قرأ في كتاب الله عز وجل أروع الآيات التي تدعو الإنسان إلى الدقة والنظام ؟ وهل هذا حال مسلم يقتدي بسيد النظام على الإطلاق وبسيد الدقة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، البَوْن شاسع بيننا وبين هؤلاء، والفجوة جد واسعة شئتم أم أبيتم.

الدرس الثاني: الامتثال بأدب لمن وثقت به، إياك أن لا تمتثل لمن وثقت به، إن وثقت بأبيك فامتثل وبأدب، إن وثقت بأستاذك فامتثل وبأدب، نحن وثقنا بربنا، الحج يعلمنا الامتثال لمن وثقنا به، يعلمنا الامتثال لأمر ولنداء ولطلب من وثقنا به، الله عز وجل قال لنا وقد وثقنا به رباً: ﴿وليطوَّفوا بالبيت العتيق﴾ فرحنا من أجل أن نطَّوف سبعة أشواط إذا ما شرحنا الآية. الله قال لنا عبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن نُحرِم، أن نخلع ثيابنا، خلعنا ثيابنا وامتثلنا وقلنا: اللهم حجاً أو عمرة لا رياء فيه ولا سمعة.

امتثلت هناك وبأدب فمالي أراك هنا لا تمتثل أمر من امتثلت أمره هناك، هناك رب وهو هو هنا، من أمرك بالطواف فطفت امتثالاً لأمره هو الذي أمرك في أن تكون متعاوناً مع أخيك، في ألا تغتاب أخاك، في ألا تكون مشتغلاً بالنميمة بين إخوتك، هوَ هو نفسه وعينه وذاته جل وعلا هو الذي أمرك أن تذبح هناك فذبحت، أمرك أن تحلق فحلقت، أمرك أن تقصّر من شعرك فقصّرت، هو ذاته عينه جل وعلا من أمرك أن تكون مع أخيك هذا الذي بجانبك متعاوناً: ﴿وليطوَّفوا بالبيت العتيق﴾ بعضٌ من آية قالها الله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ بعضٌ من آية قالها الله نفسه فلم تثق به هناك من غير حكمة من غير معرفة بالحكمة أو من غير إلمامٍ على الأقل بالحكمة وهنا أمرك هو نفسه والحكمة جلية فلماذا لا تمتثل أمره هنا مع الأمر الصريح والحكمة الواضحة وهناك امتثلت أمره ؟ ولهذا أرجو ألا ينطبق علينا قوله تعالى تقريعاً: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾.

أنت أيها التلميذ، أنت أيها الطالب، أنت أيها المسؤول، أنت أيها المدير، أيها الوزير، أيها الجندي، أيها الضابط، أيها التاجر هناك يقول لك ربك: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وإذ بك تطوف وهنا يقول لك المصطفى وطبعاً من ربك: إياك والغش، لكنك لا تجتنب النواهي التي نهاك عنها شرعنا هنا، فلم هذا الانفصام ؟ ولم هذا الانفصال ؟ فكروا في دروس هذه الفريضة فسترون أننا نتعلم في الحج ما ننساه هنا، أننا نتعلم في رمضان ما ننساه بعد رمضان، أننا نتعلم في الصلاة ما ننساه بعد الصلاة مباشرة، لأننا في الصلاة نقول وبملء أفواهنا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ لكننا بعد الصلاة نعبد غير الله ونستعين بغير الله وننسى الله حتى في صلاتنا، ننسى هذا الذي نوجه إليه كلامنا، هل من نظرة فاحصة وممحصة من كلٍ منا لأفعاله وأقواله ونحن في هذه الأيام أيام الحج أيام الفريضة التي تعلمنا النظام والدقة والامتثال مع الأدب لمن وثقنا به، وهل ثمة موثوقٌ به أعظم وأكبر من ربك ؟ وهل ثمة موثوقٌ به بين الخلق أعظم وأكبر من نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

أيها الإخوة: تذكروا هذه المنظومة: فريضة ثبتت في القرآن والسنة، لها شرطان الصحة والإخلاص، وفائدتان غفران الذنوب وإجابة الدعاء من قبل العليم العلام الرحمن الرحيم، وفيها درسان النظام والدقة والامتثال بأدب لمن وثقنا به، ضع هذه المنظومة في ذهنك وأنت تودع من تودعه من الحجاج وأنت تحج إن كنت تريد أن تحج وأنت تتذكر فريضة الحج وأنت تتحدث مع قريب لك يريد أن يحج وهكذا دواليك. ضع هذه الهيكلية في ذهنك أنت أيها المسلم، وبعد ذلك ليكن الحساب بينك وبين نفسك قاسياً، نحن لا نريد لأحد أن يحاسب أحد ولكننا نريد فيما يخص العلاقة مع الله لكل إنسان أن يحاسب نفسه بخلوة بينه وبين ربه جل وعلا، وأرجو أن تسفر هذه الخلوة وهذا الحساب في الخلوة عن علاقة أوطد وأقوى مما كانت عليه بينك أنت يا من تحاسب نفسك وبين ربك الذي خلقك فسواك فعدلك، اللهم وفقنا لكل ذلك، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 13/11/2009

التعليقات

خليل شاوي

تاريخ :2009/11/15

علمتنا ثنائيات ثلاث نقابلهابحمد و ثناء على من علمك وسناء وشكر لفكرك النير ولسانك الفصيح وقولك البليغ وادامك الله ذخرا

شاركنا بتعليق