آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
الحج قصدٌ إلى معظم

الحج قصدٌ إلى معظم

تاريخ الإضافة: 2010/11/05 | عدد المشاهدات: 2343

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:
لعلكم إن سئلتم عن معنى الحجِّ في الأصل، ما الذي يعنيه الحج في اللغة ؟ فالجواب: هو القصد إلى معظّم، وهؤلاء الذين يذهبون لأداء فريضة الحج يقصدون معظماً، يقصدون الكعبة، يقصدون عرفات، يقصدون منى، يقصدون تلك الشعائر التي عظّمها الله عز وجل، يقصدونها ليس لذاتها وإنما لتعظيم الله عز وجل لها.
الحج هو القصد إلى معظم في أيامٍ معدودات أو في أيام معلومات هي أشهر الحج، ولا يستطيع إنسان أن يحج في غير أشهر الحج التي هي شوال وذو القعدة وذي الحجة كما جاء في القرآن الكريم: ﴿الحج أشهر معلومات﴾. لكنني لا أريد الحديث عن هذا الذي ذكرت، وإنما الذي ذكرت هو مقدمة لأقول: لماذا تعتبر هذا الذي ذهب إلى الكعبة، إلى مكة، إلى المدينة، إلى عرفات، إلى منى، تعتبره حاجاً وقاصداً معظماً ولماذا تمتنع أنت عن أن تحج بالمعنى اللغوي وأنت هنا ؟ في مدرستك في شارعك في متجرك في وظيفتك ما دام الحج هو القصد إلى معظم فاسعَ من أجل أن تقصد معظماً وأنت هنا، أي انظر هذا الذي أنت فيه، انظر عملك وبإمكانك أن تجعل من عملك أمراً معظماً بشرطين اثنين، أنت طالب بإمكانك أن تجعل من دراستك أمراً مُعظماً، أنت عامل بإمكانك أن تجعل من عملك أمراً معظماً، أنت موظف بإمكانك أن تجعل من وظيفتك أمراً معظماً، وأنت وأنت... إلى آخر ما يمكن أن نتحدث عنه من مهن وخدمات.
أنت في عملك بإمكانك أن تجعل من عملك معظماً وذلك بشرطين: الشرط الأول أن تتقن عملك في وقته المحدد. والشرط الثاني: أن تبتغي بعملك وجه الله عز وجل.
الحاج يتقن حجه ويتقن مناسكه، يطوف بإتقان، يسعى بإتقان، يقف على عرفات بإتقان، يأتي مِنى بإتقان، يأتي المشعر الحرام بإتقان، هكذا هو المفروض، ثم بعد ذلك يبتغي بهذا الذي يقوم به من مناسك وجه الله عز وجل وعنوانه في ذلك: (لبيك اللهم لبيك)، أي أنا إنما أعمل هذا يا رب ابتغاء وجهك وتلبية لأمرك. أنت الآن في عملك وأريد أن ننتبه إلى هذه القضية، بإمكانك أن تكون حاجاً في كل ذرة من ذرات حياتك ما دمت تحقق هذين الشرطين في عملك أن تكون متقناً في عملك الذي بين يديك في وقته المحدد. جاءني البارحة رجل وسألني قائلاً: أنا موظف في مؤسسة أو دائرة، لكنني لا أداوم إلا ساعتين، فهل ارتكبت حراماً ؟ أجبته نعم، لقد ارتكبت حراماً، أتريد أن أُداريك وأجاملك ؟ لقد ارتكبتَ حراماً، مطلوبٌ منك أن تتقن عملك الذي بين يديك في وقته المحدد.
إذا أتقنت عملك الذي بين يديك في وقته المحدد وابتغيت بهذا الذي تعمل وجه ربك فأنت بمنزلة الحاج الذي يُغفر له ما تقدم من ذنبه، والآن - أيها الإخوة - عددوا ما شئتم من مهن وعددوا ما شئتم من أعمال وطبقوا هذين الشرطين، أيها الطالب على سبيل المثال ونحن دائماً نخاطب أفراد المجتمع وأطيافه ونخاطب فئاته وشرائحه، أيها الطالب أنت الآن مطلوبٌ منك أن تدرس مطلوبٌ منك الجدّ مطلوبٌ منك أن تجتهد مطلوبٌ منك أن تتقن دراستك مطلوبٌ منك ألا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، مطلوبٌ منك أن تحصّل دروسك التي أُعطيتها في هذا اليوم وألا تؤجل ما أعطيته في هذا اليوم إلى الغد، مطلوبٌ منك أن تكون متقناً لدراستك، ومطلوبٌ منك أن تبتغي بدراستك وجه ربك ومطلوبٌ منك أن تقول يا رب أدرس وأعمل ابتغاء وجهك. وإذا ابتغيت وجه ربك أعطاك ربك الذي تريد وتطلب لأن ربك كريم جواد. اللهم أنت أكرم من سُئل وأجود من أعطى، إذا ابتغيت وجه ربك مع دراستك المتقنة فأنت حاجٌ وبالتالي يُغفَر لك ما تقدم من ذنبك وبالتالي تحصّل المقصود وبالتالي كما قال الله: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾.
أنت في وظيفتك هل تقوم بعملك بالشكل المتقن في وقته المحدد أم أنك تقول لأولئك الذين يراجعونك إيتوني غداً ؟ والأمر لا يحتاج إلى أن تؤجله فقد ارتكبت حراماً، أنت أيها العامل هل تقوم بعملك في شركتك أو مؤسستك بشكل متقن وتبتغي وجه ربك لأن ربك يراقبك ولأن ربك يراك وتقول لبيك اللهم لبيك في عملك الذي تعمله ؟ إذن لك ثواب وأجر الحاج وسيغفر لك ما تقدم من ذنبك، أيها الضابط أيها الطبيب أيها الصيدلي أيها المحامي أيها القاضي أيها المسؤول أيها الوزير أيها الرئيس أيها المحافظ يا كل الاختصاصات أنتم معنيون كما الحاج معني، الحاج معني بأن يؤدي مناسكه بإتقان في وقتها المحدد فلو أنه وقف في عرفات بعد يوم الوقوف، بعد ليلة عيد الأضحى لم يصح وقوفه، وبالتالي عليك أن تقوم بعملك المسند إليك في وقته المحدد وبالشكل المتقن، انتبهوا نحن نريد أن نتعلم من الحج دروساً لا أن نمارس الحج شعائر ظاهرة لا أكثر ولا أقل، ولكن نريد - الذين لم نحج - أن نأخذ دروساً من الحج ودروساً من رمضان ودروساً من الصلاة فليست تلك العبادات إلا مدارس يجب أن ندخلها وأن نَلِجها وأن تكون موئلنا حتى نخرج منها بدروس نطبقها في حياتنا العملية، لأن حياتنا العملية إذا لم يُرَ فيها أثر العبادات الإيجابي فلا قيمة لهذه العبادات: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) لأن هذا الذي شهد شهادة الزور لم يتجلى أثر الصوم في حياته العملية: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً"، مقولة مقبولة في شريعتنا، إذا لم يُرَ أثر العبادات في الحياة فلا قيمة لهذه العبادات على الإطلاق، صدقوني، هذا هو ديننا، ديننا عبادات تُعلّم، ويظهر أثرها في المعاملات في الحياة، ولهذا نسمع من الكثيرين وهذه المقولة صحيحة: "الدين المعاملة"، ربما قال لي إنسان وكيف يكون الدين المعاملة وأين العبادة ؟ أقول له العبادة يجب أن تُظهر آثارها الإيجابية في المعاملة، وإلا لا قيمة للعبادة، هذا هو إسلامنا ولذلك انظر نفسك أيها الطالب، أنت أيها المدرّس، أنت أيها الموظف أيها المحاسب أنت أيها المحامي أنت أيها الضابط، أنت أيها الجندي أنت أيها الشيخ أنت أيها المدرس في المسجد أنت أيها الإنسان أينما كنت... أتريد أن تكون مستفيداً من الحج وأن تُعطى ما يُعطاه الحاج ؟ عليك أن تتقن عملك الذي بين يديك في وقته المحدد وأن تبتغي به وجه ربك وإلا سنحصد هذا الذي نحصده اليوم، أمة متأخرة وضياع، وما يفرحني أن المساجد تمتلئ، أريد أن أرى أثر امتلاء المساجد في سائر مرافق حياتنا، وإلا كيف نقابل الله عز وجل ونحن خارج المسجد نكذب ونغش ونعتدي ونقصّر وهذا يقتل هذا وهذا يقتحم بيت هذا وهذا يعتدي على هذا وهذا يدمّر هذا، وهذا الذي حدث في بغداد عندما اقتحمت الكنيسة وأماكن أخرى لا تنمُّ عن أن هذا المقتحم يتمتع بآثار العبادة الإيجابية، أنا لا أريد أن أشير إلى حادث معين فلربما فُهم من أن إشارتي تعني بدلالة الإشارة أن سائر تصرفاتنا جيدة، لا يا أيها الإخوة، تكاد تكون تصرفاتنا كلها غير مقبولة في ميزان شرعنا الحنيف الذي ندين ونُدين به والذي نتمتع به وننظر إلى أنفسنا على أننا متمتعون ومتصفون به، فيا إخوتي أين آثار العبادات ؟ أخوك يحجّ هلا ظهر أثر الحج عليك أنت معتبراً من قيام أخيك بفريضة الحج ؟ وهلا ظهر أثر الحج على الحاج نفسه إبّان أداء مناسك الحج وبعد أن يأتي إلى بلده وعمله، يجب أن تظهر عليه آثار الحج، لذلك: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) أما من حج وقد رفث وفسق ولم يتقن مناسك الحج فليس له من حجه إلا التعب، إلا الدوران، إلا الطواف الشكلي، إلا المشي الذي لا يُقدّم ولا يؤخر في عالم الأجر والعطاء والثواب.
أرجو أن ننتبه إلى سلوكٍ نحن مسؤولون عنه، نحن مسلمون ولكن انظروا إلى أنفسكم فنحن اليوم نعيش تأخراً ما أظن أن دولة في العالم تسبقنا في هذا التأخر الذي حلَّ بنا في كل مناحي الحياة وأهم عناصر التخلف والتأخر أن الواحد منا يعيش خائفاً، كل واحدٍ منا خائف حيث هو، ولذلك قلت البارحة لأخٍ لي منذ فترة من الزمن وأنا أردد في كل يوم: "اللهم استر عورتي وآمن روعتي". كلنا خائفون بوهم وبحقيقة لأننا لم نتقن العمل الذي بين أيدينا في وقته ولم نبتغِ بعملنا وجه الله عز وجل، هذه أمانة الله بين أيديكم أنتم حملتم الأمانة وأنتم الذين تقولون عن أنفسكم بأنكم مسلمون وبأنكم تريدون الحج إن تيسر لكم والذي يفوته الحج ربما حزن وتأثر لأن الحج فاته، لئن فاتك الحج بعذر فأنت معذور لكن إياك أن يفوتك هذا الذي ذكرناه في حياتك فلست بمعذور، أنت أيها المقصّر في عملك مَنْ كنت وأين كنت لست معذوراً وعليك أن تُلاحق نفسك دائماً بهذين الأمرين، اذكر هذين الأمرين في بيتك واعلم أن الله أعطاك وقتاً لا من أجل أن تضيعه، أعطاك وقتاً من أجل أن تستغله، رأس مالك هو الوقت هو الزمن فعليك أن تستغله ولذلك نبّه سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فقال كما في البخاري: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) أنت تتقن عملك عندما تشعر أن أجلك اقترب، وأنت تتقن عملك حين تشعر أن المرض دبَّ إلى أوصالك، أما وأنك صحيح فلست بمبالٍ بهاتين النعمتين اللتين يكتنفانك الصحة والفراغ، الوقت، ما الذي تفعله ورسولك الذي تحبه يقول كما يروي الحاكم وصححه: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، صحتك قبل مرضك، فراغك قبل شغلك، حياتك قبل موتك، غناك قبل فقرك) اغتنم هذه فهل أنت تغتنمها، أم أنك في غفلة عن هذا وآمل ألا تبقى في غفلة عن هذا إذ يأتيك ما يجعل بصرك حديداً، إذ يأتيك الموت فبصرك اليوم حديد، قوي، ستنظر إلى الماضي وكم ضيعت فيه وستنظر إلى هذا الذي سبق وكيف كنت فيه مقصراً  ومسرفاً على نفسك: ﴿قال رب ارجعونِ لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها﴾ انتهى الموعد والآن أصبحت في موطن السؤال، و: (لا تزول قدما عبد – كما جاء في الحديث الذي يرويه الترمذي بسند صحيح – يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه وعما عمل فيما علم) الزمن ماضٍ وحاضر ومستقبل، مع الماضي عبرة مع الحاضر وعي وعمل مع المستقبل تبصّر واستبصار، وقد قلت هذا منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، والآن أذكركم برأسمالكم، أذكركم بالوقت، بالعمل المسند إليكم، أذكركم وأسأل الله أن أكون مذكّراً ناصحاً محباً، مع الماضي عبرة، مع الحاضر عمل، مع المستقبل استبصار، اعتبر بالماضي، انظر ماضيك وماضي غيرك وانظر حاضرك وانظر ما أوكل إليك حتى تقوم به، أأوكل إليك أن تقف على سبيل المثال أمام التلفاز خمس ساعات، هل هذه هي مهمتك ؟ اتقِ الله أيها الإنسان الذي تقول أنا أحبُّ الحج وأحب أن أحج وأحب أن ألبي، التلبية عهدٌ وتثبيت للعهد مع الله، (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك). يعني ها أنذا يا رب أستجيب بأمانة لأوامرك والأمانة إتقان والأمانة وفاء والأمانة إحسان، ها أنذا يا رب أستجيب، لماذا يقول أخوك الحاج حول الكعبة وهو يطوف وفي المسعى وهو يسعى وفي عرفات حيث يقف وفي منى حيث يذبح وحيث يتحلل لمَ يقول: لبيك اللهم لبيك وأنت لا تقول ؟ هل لبيك اللهم لبيك حكرٌ على الحاج ؟ لم لا تقول هذا وأنت في عملك ؟ لم لا تقول هذا وأنت في مدرستك بينك وبين نفسك ؟ لئن كان أخوك يقول هناك لبيك بصوتٍ مرتفع فعليك أن تسمع نفسك هنا بينك وبين نفسك أن تقول لبيك اللهم لبيك في عملي سأتقنه يا رب وسأبتغي به وجهك.
اللهم إني أسألك أن توفقنا من أجل أن نَعِيَ تاريخنا ماضينا وأن نعي حاضرنا وأن نعي مستقبلنا بعظة وعبرة وبوعي وعمل وبتبصر واستبصار للمستقبل على أساسٍ من عبرة وعمل للماضي وللحاضر، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 5/11/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق