آخر تحديث: الثلاثاء 10 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
التعاون: برهان الأخوة

التعاون: برهان الأخوة

تاريخ الإضافة: 2011/01/28 | عدد المشاهدات: 3752

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

حين أسألك أيها الإنسان المسلم عن هذا الذي يجلس بجانبك، عن هذا الذي يُصلّي بجانبك، عن هذا الذي في السوق يقبع بجانبك مَنْ هو ؟ ما العلاقة التي تربطك به ؟

الجواب: هذا أخي. والله عقد بيننا الأخوة، أوليس الله قال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ؟ هكذا تقول لي، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في مسلم: (المسلم أخو المسلم) ؟ إذا كانت الأخوة هي العلاقة التي تربطك بهذا الذي بجانبك في المسجد وفي البيت وفي العمل وفي المركبة وفي الجامعة وفي المدرسة، فالسؤال التالي: كيف تُدلل على أن الأخوة هي الرباط بينك وبين هذا ؟ ما الدليل ؟ هل الدليل هو قولك هذا أخي، أم أن ثمة دليلاً عملياً يجب أن نصدره حتى يبين هذا الدليل الأخوة التي تدَّعيها بينك وبيني، ستسألني أنت وما الدليل ؟

أقول لك هناك أدلة لكنني سأكتفي اليوم بدليل علينا أن نظهره وأن نثبته حتى نؤكد ونبرهن على أخوتنا، هذا الدليل وبكل بساطة كلمة تسمعونها كثيراً وتقولونها كثيراً لكننا لا نطبقها إلا قليلاً قليلاً قليلاً، هذه الكلمة هي التعاون. التعاون أن يُعين كل واحدٍ منا أخاه وأن يقدّم كل منا لأخيه العون على قضاء حوائجه المادية والمعنوية. فإن فعلت أنت ذلك فأنت أخٌ، وإن فعل هذا الذي بجانبك ذلك فهو أخ، وإلا فالأخوّة ادّعاء والأخوة كلام، التعاون برهان الأخوة. احفظوها، أوليس الله قد قال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فالفعل هنا فعل أمر ولو سألت طالباً في الصف السابع أو السادس عن هذا الفعل لقال لك الفعل فعل أمر.

التعاون أن تُعين أخاك وأن يعينك أخوك على قضاء حاجته وعلى قضاء حاجتك المادية والمعنوية.

الصورة المثلى للأخوة المطبقة والمبرهنة ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح البخاري: (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) هذه صورة الأخوة فيما بينهم، هل نحن نحقق هذه الصورة ؟ هل نحن كالجسد الواحد إذا اشتكى منا عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ؟ أم أننا أصبحنا جسداً مقطعاً أشلاء. الصورة المثلى للتعاون رسمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بريشته يوم قال كما في البخاري أيضاً: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً)، ثم شبَّك صلى الله عليه وآله وسلم بين أصابعه. فهل نحن كذلك ؟ هل نحن كالبنيان المرصوص، كالجدار القوي المتماسك، أم أننا غدونا أحجاراً حتى هذه الأحجار تكسَّرت وأصبحت قطعاً قطعاً ؟

تسألونني وما ثواب التعاون ؟ وما أجر التعاون الذي ذكرت صورته ؟

أقول لك: اسمع كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي تهتدي بهديه، ألست تدَّعي ذلك ؟ هذا النبي الذي تهتدي بهديه يقول كما في صحيح مسلم: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) فهل أنت تنفس عن مؤمن كربة ؟ وإني لأرى الكرب تتزاحم علينا، على الفقراء، على الضعفاء. والأقوياء لا يعيرون انتباهاً للفقراء في كربهم ولا المسؤلون يعيرون انتباهاً للضعفاء في حياتهم، انظروا وضعنا: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) جارك يئنُّ وتستطيع أن تبعد عنه أنينه لكنك لا تفعل، وتدّعي بعد ذلك بأنك أخ وبأن الله عقد بينك وبين هذا الذي يئن الأخوة فهل هذا صحيح ؟ هل تريد أن نصدق لمجرد ادّعائك ؟ لا، نحن نريد سلوكاً وعملاً أما القول والادّعاء فكثيرٌ كثير، هذا أجر وثواب المتعاون والمُعاوِن.

قررت أن أتكلم عن شكلين للتعاون: عن التعاون بين الدولة والناس، وعن التعاون بين الناس والناس، وآمل أن تكون ذواكركم يقظة وأن يكون وعيكم بيِّناً جلياً حاضراً، سأتكلم عن التعاون هذا الذي هو فريضة والذي رسم صورته قائدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذي بين أجره وثوابه أيضاً رسولنا الذي لا ينطق عن الهوى.

هنالك تعاون بين المسؤولين على مستوى الدولة وبين الناس، وهنالك تعاون بين الناس والناس، أما التعاون الأول وسأقتصر الكلام عليه في خطبتي هذه لأتمم الحديث عن التعاون بين الناس والناس في خطبة لاحقة قادمة.

التعاون بين الدولة والناس: على الدولة أن تقدم العون للناس، ما هذا العون الذي تقدمه الدولة للناس ؟ أمران اثنان يلخصان كل العون، على الدولة أن تقدم للناس: العدل والرفق. يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة) وأما الرفق فيقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (اللهم من وَلي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر شيئاً أمتي فرفق بهم فارفق به) على الدولة أن تقدّم العون الذي هو العدل والرفق.

وعلى الناس أن يقدموا للدولة حين تقدّم العدل والرفق: السمع والطاعة الواعية في حدود ما يرضي الله عز وجل. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في البخاري: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا إذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).

وهنالك عون تقدمه الدولة ويقدمه الناس، عونٌ متبادل، هذا العون هو النصيحة، على الناس أن ينصحوا الدولة وعلى الدولة أن تنصح الناس في حدود الأدب والرفق والرحمة، فلينصح كلٌ منا الآخر نصيحة صريحة لطيفة أنيقة، عليك أيها المسؤول أن تنصح الناس نصحاً رقيقاً صريحاً صالحاً مخلصاً، وعليكم أيها الناس أن تنصحوا المسؤول عنكم أينما كنتم نصحاً رفيقاً صافياً خالصاً لطيفاً رحيماً، ودليلي على ذلك الحديث المعروف المشهور الذي يرويه مسلم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) أئمة المسلمين ينصحون العامة، والعامة تنصح أئمة المسلمين، يا ناس نريد أن نتعاون لا نريد أن نتعادى لأننا في النهاية نريد ديناً صحيحاً ووطناً سليماً ووطناً عامراً ونريد في النهاية إنساناً سعيداً إنساناً آمناً يشعر بالأمان ونريد ديناً سليماً وعقيدة سديدة وأخلاقاً رشيدة، نريد هذا مجسداً على الأرض، نريد أن نعود للصورة التي ذكرناها ورسمها لنا صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً) ولا نريد أن نكون كالبنيان المتهالك يترك بعضه بعضاً.

أنت مسؤول وأنت مسؤول وأنت مسؤول وعليك أن تفكر كما قلنا من قبل، سنُعرَض على الله وأنت مسؤولٌ أمام الله أنت مسؤول أمام نفسك انتم مسؤولٌ أمام الأجيال، لا تعفي نفسك من المسؤولية ولا تعتق رقبتك من المسؤولية أنت مسؤول شئت أم أبيت لا تقل هذا ليس لي، الشأن شأنك ما دمت إنساناً وما دمت مخلوقاً أسمى فالشأن شأنك وإياك أن تتهاون في تقديرك نفسك، نفسك مقدّرة مكرّمة الله خلقها ونفخ فيها من روحه: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾، ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾ أنت خليفة على هذه الأرض حيثما كنت وإياك أن تستهين بنفسك، إياك أن تكون مصغّراً نفسك، اتق الله وانظر إلى نفسك نظرة تكريم، وعليك أن تتعرف على واجباتك قبل أن تتعرف على حقوقك، وأن تنهض بهذه الواجبات وإلا فالنهاية ليست حميدة، وأنا لا أحب الشؤم ولا التشاؤم لكننا نتكلم عن قواعد وسنن ومعادلات، أنا أحب الأمل وإني لصاحب أمل في هذا الشعب الكريم، في هذا الإنسان من أجل أن يرقى بنفسه وبوطنه، من أجل أن يرقى بعقيدته ودينه وأخلاقه وصناعته وتجارته وزراعته، من أجل أن يرقى في علاقته مع ربه، علاقتكم مع ربكم ينبغي أن تكون قوية وصحيحة وعلاقتكم مع أنفسكم ينبغي أن تكون قوية وصحيحة وكذلك علاقتكم مع إخوانكم في كل الأماكن التي تشغلونها والمناصب التي تديرونها.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن نتعاون على البر والتقوى من أجل أن نحقق هذه الصورة التي أرادها لنا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سيدي رسول الله أنت الهادي أنت المعلم أنت المرشد سيدي رسول الله أنت صاحب الفضل علينا في رشدنا إذ نرشد، وأنت صاحب الحجة علينا في ضلالنا لا سمح الله إن ضللنا، فلقد أقمتَ الحجة علينا بقولك وفعلك وسيرتك وحركتك وسكنتك صلى الله عليك وعلى آلك، عليك ألف صلاة وألف سلام.

اللهم زدنا تعاوناً على البر والتقوى وأبعد عنا التعاون على الإثم والعدوان، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 28/1/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق