آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
التعاون برهان الأخوة - 2

التعاون برهان الأخوة - 2

تاريخ الإضافة: 2011/02/04 | عدد المشاهدات: 2870

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المصلون:

قلتُ آنفاً إن الرباط بيننا الأخوة، وإن الدليل على الأخوة الذي بيننا التعاون، فإن كنا إخوة فلنتعاون على البر والتقوى، وإذ لم نتعاون وإن لم نتعاون، فالأخوة ادّعاء وليس لها وجود، وقلنا آنفاً إن الصورة المثلى للتعاون تلك التي أرادها لنا سيدنا وحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الحديث الصحيح: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). قلنا أيضاً بان التعاون يكون بين الدولة والناس وبين الناس والناس، تحدثنا عن التعاون بين الدولة والناس في الجمعة السالفة، وقلنا ونذكّر من أجل أن تستمر السلسلة: قلنا على الدولة أن تقدم للناس العدل والرفق، وعلى الناس أن يقدموا للدولة السمع والطاعة في حدود ما يرضي الله عز وجل فيما أحب الإنسان أو كره، وقلنا إن العون المتبادل من الدولة للناس ومن الناس للدولة النُّصح، وأنا أذكر هنا، وعبر ما يمكن أن يصل إليه كلامي عبر الوسائل المختلفة، أذكرهم بضرورة هذا التعاون الذي هو النصح فيما بينهم وبين الدولة، فعلى الدولة أن تنصح برفق وعلى الناس أن ينصحوا بقوة، ولعلكم تسألوني لم تنصح الدولة الناس برفق ؟ ولم ينصح الناس الدولة بقوة ؟

أقول: لأن الدولة قوة والقوة ينقصها الرفق، ولأن الناس ضعفاء بشكل عام، ولأن الناس رفيقون ورقيقون فينقصهم القوة، وحتى تتكامل الأطراف فعلى الناس أن ينصحوا الدولة بقوة وعلى الدولة أن تنصح الناس برفق، ما لم يكن النصح متبادلاً بين الناس والدولة لا يمكن للمجتمع أن يستقر،  على الدولة أن تسمع النصح من الناس وعلى كل فرد من أفراد الدولة أينما كان أن يسمع نصح الناس وأن يهيئ يوماً أو ساعة لنصح الناس، وعلى الناس أن تتهيأ لنصح الدولة أيضاً، لذلك أرجو ألا ننسى قبل أن نتحدث عن تعاون الناس مع بعضهم أن الدولة يجب أن تقدّم العون من خلال العدل والرفق وأن يقدم الناس للدولة التعاون من خلال السمع والطاعة في حدود ما يرضي الله وأن يقدم كلٌ منهما الدولة والناس للآخر النصح، الدولة تقدمه برفق والناس يقدمونه بقوة، بقوة المنطق بقوة الإيمان، بقوة اللهجة. وأنا أتحدث وأقول بقوة ولا أقول بعنف، لأن العنف يستلزم السلاح، وهذا ما لا نريده، لأن العنف يستلزم التعصب وهذا ما لا نريده، عليك أن تكون قوياً، و: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، فعلى الناس أن ينصحوا بقوة وعلى الدولة أن تنصح برفق.

آتي إلى موضوعنا الذي وعدتكم أن أتبعه هذا الأسبوع، إلى التعاون بين الناس والناس، كيف يتم التعاون بينك وبين الإنسان هذا الذي يعيش معك في وطنك ؟

الأمر الأول: أن يتقن كلٌ منا عمله، وهذا أروع التعاون، لو أن كل واحدٍ منا أتقن عمله لقدّم للناس عوناً وحلَّ الاطمئنان، وإذا حلَّ الاطمئنان مجتمعاً فيا طوبى هذا المجتمع، إذا أتقن كلٌ منا عمله نفى القلق عن الآخر، عندما أعلم بأن ولدي بين يدي مدرس يتقن عمله فسأطمئن، عندما أعلم أن مريضي بين يدي طبيب يتقن عمله فسأطمئن وسيكون هذا الطبيب متعاوناً معي لأن يطمئن قلبي ولأنه ينفي عني القلق والاضطراب، إذا كنت على يقين بأن معاملتي بين يدي موظف كبر الموظف أم صغر يتقن عمله فسأطمئن، إذا كنت على يقين أن كل هذا الذي أحتاج إليه بين يدي أناس يتقنون عملهم فسأطمئن، إذا كنت أعلم أن حدود بلادي بين يدي جنودٍ يتقنون عملهم فسأطمئن وسأستقر، والاطمئنان جذر الحضارة وأساس الحضارة، ولا حضارة من غير اطمئنان، المشكلة أننا غير مطمئنين لأننا بشكل عام لا يتقن كلٌ منا عمله الذي وُكل إليه. أين من يتقن عمله من تجارنا، من أطبائنا، من موظفينا، صغروا أم كبروا ؟ أين من يتقن العمل ؟ أين من يطمئنك من الصناعيين والتجاريين والزراعيين، أصبحنا منعتقين من ذيَّاك الحديث الذي يقول فيه قائدنا صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي أن يحسن الإنسان العمل وأن يتقنه وأن يجوده (فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته) ويقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في أبي يعلى: (إن الله يحب من أحدكم) أتريد أن يحبك الله وأن يحب منك عملك ؟ (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) فهل تتقن عملك ؟ وإذا أتقنت عملك عاونتني وإذا أتقنتُ عملي عاونتك، لكنك إن لم تتقن عملك فقد عاونتني لكن على الإثم والعدوان وليس على البر والتقوى، فانتبه إلى هذه القضية، يتعاون الناس مع بعضهم من خلال أن يتقن كلٌ منا عمله، هذا أولاً.

الأمر الثاني: أن يتقن كل فردٍ في الأسرة عمله، خصصت الأسرة بالذكر لأن الأسرة خلية المجتمع وأنتم تحدثون أولادكم عن هذا، كلنا عندما يتحدث عن الأسرة يتحدث عن خلية المجتمع ويقول: إن انهارت الأسرة انهار المجتمع وإن ضاعت الأسرة ضاع المجتمع.

أيها الأب، عليك أن تقدم العون الذي تحتاجه الأسرة، والعون نفقة والعون خلقٌ حسن: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسبما روى الترمذي وسواه، أن تقدم العون للأسرة وعونك نفقتك على أسرتك وعونك خلق حسن ولين جانب وتخلق بأخلاق سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأنتِ أيتها المرأة العون الذي تقدّمينه للأسرة رعاية الأولاد تربية الأولاد، رعاية البيت، طاعة غير عمياء طاعة واعية ضمانة للأسرة لأخلاقها عليكِ أيتها المرأة أن تقدمي العون للأسرة وعونك تربيتك ورعايتك وقدوتك وأسوتكِ وأن تكوني أسوة.

أيها الأولاد عونكم برّكم، واليوم نشهد العقوق الكبير فأين التعاون، نشهد عقوقاً كبيراً فظيعاً كثيراً وعونكم أيها الأولاد برُّكم فهل من بارٍ لوالديه، أم أننا ونحن نقرأ قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ يقول الواحد منا لنفسه كم قلتها لأبوي من غير ما شعورٍ بالذنب أو الإثم ؟ كم واحدٍ منكم قال لأبويه أف ؟ وارتقِ من هذه الكلمة إلى كلماتٍ أقسى وإلى أفعالٍ أفظع ونحن نرى بأم أعيننا كيف تفشّى العقوق في أسرنا. تماسكي أيتها الأسرة من خلال قيام كل واحدٍ منكِ من أفراده بما هو واجبٌ عليه، فعلى الأب أن يقدّم الرعاية والحماية لأولاده وعلى الأم كذلك، الكل مقصر شئنا أم أبينا، وأنا لا أريد من كلمتي كلنا مقصّر أن نعترف بالتقصير فحسب ولكن علينا أن ننتقل من الاعتراف بالتقصير إلى تفعيل القيام بالواجبات، إلى تفعيل التعاون على مستوى الأسرة وعلى مستوى المجتمع.

الأمر الثالث: أن يقدّم كل منا الخدمات لمجتمعه، للإنسان الآخر، الخدمات التي يستطيعها،  قرأت في البخاري حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: (كان تاجر - أي ممن كان قبلكم - يداين الناس فإذا رأي معسراً قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا. يقول سيدي رسول الله فتجاوز الله عنه). من منكم أيها الدائنون سواء أكنتم تجاراً في المدينة هنا أو كنتم أصحاب بنوك إسلامية أو غير إسلامية من منكم يتخلق بهذه الأخلاق ؟ (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا يقول سيدي رسول الله فتجاوز الله عنه) البنك الإسلامي لا يتجاوز عنه، والتاجر في المدينة هنا لا يتجاوز عن الفقير، بل يركّبون الأرباح إن في البنك الإسلامي، وعند التجار هنا يركّبون السَّندات، وفي البنوك الأخرى يركّبون الفوائد، ويزيدون المعسر إعساراً، لا رحمة مع المعسر. بعد ذلك تدّعون بأنكم تتعاونون وبأنكم إخوة: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ الله يأمركم أن تُنظروا هذا: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا يقول سيدي رسول الله فتجاوز الله عنه).

عليك أن تقدم خدمة تستطيعها، كان سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه يقول من يستطيع أن يلبي لهذا حاجته ؟ اشفعوا تؤجروا، إذا كنت تستطيع أن تكلم مسؤولاً من أجل هذا الضعيف فكلمه بقوة، وعلى المسؤول أن يقبل الشفاعة الحسنة، إذا كنت تعرف تاجراً فعليك أن تشفع لهذا الفقير لهذا المدين: (اشفعوا تُؤجروا) من منا يتخذ منهج الشفاعة اليوم عند ذاك المسؤول أو عند ذاك التاجر ؟! الكل منعتق من هذا الوصية الرائعة التي تجسد وتشخص التعاون فيما بيننا (اشفعوا تؤجروا) أين الشفاعة، والشفاعة تعاون. أنت صاحب جاهٍ فلتستعمل جاهك لخدمة الآخرين، في خدمة الفقير، في خدمة المظلوم، انتم أيضاً أيها المسؤولون في الدولة اشفعوا أمام بعضكم، أنت أيها المدير في المكان الفلاني أيها الوزير في المكان الفلاني لتكن صاحب شفاعة لفقير جاءك لكن قضيته ليست عندك وإنما قضيته عند الآخر فاشفع، المشكلة أصبحنا نرى من يشفع لكن بثمن، يريد أن يقبض، وهيهات للفقير أن يدفع حتى يُشفع له، لذلك صارت الشفاعة للأغنياء، لمن يملكون، لمن يقابلني بخدمة كتلك الخدمة التي أقدّمها، أما هذا الفقير فقد ضاع حقه بين شفاعة مفتعلة لا قيمة لها، وإنما تصبُّ في مصب تكريس الغنى الفاحش وتكريس الجاه العتيد. ضاع هذا الفقير لا أحد يشفع له ولا أحد يسمع كلمته، الكل يقفون ضده والكل يقولون عليك أن تكون إنساناً مهذباً مطيعاً سميعاً، هو في حاجة من يقضي لي هذه الحاجة، الكل يعرض عنه، هل تستطيع أن تدفع كذا حتى نقضي حاجتك ؟

أيها الإخوة التعاون على البر والتقوى، التعاون من خلال خدمة تستطيع أن تقضيها لهذا الذي بجانبك: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم) هكذا قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري. وجاره إلى جانبه وهو يعلم وأنت تعلم، لا تموِّه على نفسك بأنك لا تعلم، أنت تعلم بأن جارك جائع وليس الجوع فقط في ميدان الطعام والشراب وإنما هو جائع لحاجة تقضى له، جائع لطبٍ يطبب مرضه، جائع لأمر يتكلم به أمام مسؤول لكنك أنت لا تنظر إليه وفي أحسن الأحوال تقف فتدعو له الدعاء المجاني وتقول الله يوفقك، هذا ليس تعاوناً شئنا أم أبينا، التعاون على البر والتقوى هذا الذي ذكرته الأسبوع الفائت وهذا الأسبوع، وإيانا أن نتعاون على الإثم والعدوان، وهذا ما نقوم به والعياذ بالله، إيانا أن نتعاون على تكريس العصبية، على تكريس الطائفية، على تكريس العداوات الشخصية، إيانا أن نتعاون على تكريس البغضاء والحقد، إيانا أن نتعاون على تكريس فقر الفقير، إيانا أن نتعاون على تكريس غنى الغني من أجل أن يزداد غنى، إيانا أن نتعاون على أن نكون أمام من هو أعلى منا منصباً في الدنيا أن نكون الأشخاص الذين يخافون، إيانا أن نتعاون على المواطن من أجل أن يكون خائفاً مترقباً دائماً، مواطننا ربما يعيش خائفاً فلنتعاون من أجل أن نرفع عنه هذا الخوف فلنتعاون من أجل أن نقول له ارفع رأسك فأنت إنسان عبدٌ لله قوي رفيع المستوى أنت إنسانٌ تتحلى بقدراتٍ عظيمة أودعها الله عز وجل فيك أما إذا نظرنا إليه معتبرين المال فحسب فإنه لن يجد نفسه شيئاً إذا كان فقيراً أو ظننا إليه معتبرين المنصب فقط فإنه لن يرى نفسه شيئاً إذا لم يكن صاحب منصب، إيانا أن نتعاون على أن يحتقر بعضنا بعضاً، هذا ما لا نريده، تذكروا هذا النبي العظيم والسيد السند الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أنه جاء من أجل أن يرسخ قواعد التعاون في مجتمع يتوجه إلى الله بالعبودية.

اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك بسر هذا النبي الكريم أن تجعلنا من المتعاونين وفق ما ذكرت، وليس وفق الدعاء فحسب، وفقنا يا رب لنكون عمليين في تعاوننا في تناصرنا في تباذلنا في تضامننا في وحدتنا في اجتماعنا في لقاءاتنا، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 4/2/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق