آخر تعديل السبت 28 يونيو 2014
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 495956

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة

    وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿كلا بل تحبون العاجلة* وتذرون الآخرة﴾ الآيات التي قبلها كانت تخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه﴾ وقد بيّنا هذه الآيات، ولكن لاحظوا قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ ثم جاء قوله تعالى: ﴿كلا بل تحبون العاجلة﴾، علماً أن الآيات التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يتعلق بأن الله عز وجل يضمن له القرآن محفوظاً في صدره، و قلنا أن هذه الآيات جاءت معترضة بين آيات تتحدث عن الإنسان البعيد عن ربه وعن أحواله يوم القيامة، وبين آيات أيضاً تتحدث عن ذات الإنسان وعن أحواله يوم القيامة... لكن هنالك ربط، وأرجو أن ننتبه:

    ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ الأصل في الإنسان أنه متأنٍّ، وأن التأني هو حالة ثابتة عنده، أما (العجلة) فهو طارئ عنده، فعندما يحوّل الطارئ إلى حال أصيلة يكون الإنسان قد ظلم نفسه، لأنه حوّل الأمر الطارئ وهو العجلة إلى حالة ثابتة دائمة.

    سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءه طارئ (العجلة) في متابعته للقرآن، وفي محاولته ألا يتفلّت من صدره شيء من القرآن عندما كان يتلقى الوحي، فطارئ (العجلة) هنا ممدوح وجيد، لأن العجلة هنا من أجل غاية نبيلة، لذلك الله عز وجل طمأنه وقال له: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾. وسأضرب لذلك مثالاً: أنت ذهبت إلى طبيب ناجح ليجري لك عملية جراحية، وهذه العملية بالنسبة لهذا الطبيب سهلة جداً جداً، ولكن مَنْ يرافقك سواء كان أبوك أو أخوك أو ابنك… يستعجل العملية، علماً بأن استعجاله لا يؤثر على العملية، ولكن مساعد الطبيب يقول لمرافق المريض المستعجل: لا تتعجل… الأمور تسير بشكل جيد وسيكون المريض بأحسن حال وسيشفى بإذن الله. فـ(العجلة) هنا باعتبارها طارئ لغاية نبيلة هي ممدوحة وجيدة.

    وسيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وله المثل الأكمل، مثل مرافق المريض المستعجل، فهو عندما يسمع القرآن من الوحي فإنه يستعجل، وطرأ عليه طارئ العجلة لغاية نبيلة، فجاء من يطمئنه ويقول وهو الله عز وجل: يا محمد ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه﴾  فنحن متكفلين بهذا الأمر.

    ولكن لم يقل له: يا محمد هذه العجلة التي صدرت منك غير جيدة، وأيضاً لا يجوز لمساعد الطبيب أن يقول لهذا المرافق المستعجل: أنت تفعل أشياء غير جيدة... لأن هذا طارئ إنساني لا بد منه.

    الآن عندما نحوّل الطارئ الإنساني الذي لا بد منه والذي هو لغاية نبيلة إلى حالة ثابتة ودائمة وتصبح صفتنا العجلة، وتتحوّل أيضاً الغاية من غاية نبيلة إلى غاية غير نبيلة، عند ذلك يكون هذا الإنسان المستعجل مخاطب من قبل الله عز وجل ﴿كلا بل تحبون العاجلة* وتذرون الآخرة﴾.

    وكأن الله عز وجل يقول: صحيح أني خلقتكم وركّبتكم على طارئ العجلة لغاية نبيلة، لكن عندما تحوّلون طارئ العجلة إلى ديمومة ولغاية غير نبيلة فهذا غير مقبول، فأنتم بين حياتين: بين حياة هي الأولى وبين حياة هي الأخرى، بين حياة هي العاجلة وبين حياة هي الآخرة، فمالي أراكم –كأن الله عز وجل يقول– مالي أراكم يا هؤلاء تحبون العاجلة وتستعجلون، وتجعلون حياتكم كلها قائمة على العجلة، وتضعون قلوبكم رهينة للدنيا العاجلة، وتذرون (تعرضون) عن الآخرة. 

    وسأرجع إلى المثال السابق لأوضح لكم كيف يتحوّل الطارئ الإنساني لغاية نبيلة إلى حالة دائمة ولغاية غير نبيلة: مرافق المريض يصدر صوتاً وحركة زائدة عن اللزوم، ويقف في المستشفى وينادي: متى ستنتهي العملية ؟ ومتى سيخرج المريض ؟ وأين هذا الطبيب الذي يجري العملية ؟ ... ويتكلم على الطبيب بكلام سيئ. فهذا المرافق أصبح سلوكه سلوك مستعجل، والغاية لم تعد نبيلة لكن أصبحت غاية غير نبيلة، وأصبح لا يفكر في شفاء المريض... وأيضاً الإنسان البعيد عن الله عز وجل يحب العاجلة ويذر الآخرة. وهنا يتبادر سؤال: كلمة (العاجلة) يقابلها في اللغة العربية كلمة (الآجلة)، فلماذا قال الله عز وجل ﴿كلا بل تحبون العاجلة* وتذرون الآخرة﴾ ولم يقل: وتحبون العاجلة وتذرون الآجلة ؟

    الجواب: لأن كلمة (الآجلة) لا تعطي معنى آخر شيء، بينما كلمة (الآخرة) تعطي المعنيان:

    المعنى الأول: الآجلة. والمعنى الثاني: الآخرة. أي آخر ما يمكن أن يكون من حياة، ولو قال: (تحبون الآجلة) لفُهم أن هنالك بعد الآجلة شيء آخر أكثر أجليّة منه.

    وهنالك سؤال آخر وهو: لماذا قال الله عز وجل ﴿بل تحبون العاجلة﴾ ولم يقل: بل تعملون للعاجلة ؟

    الجواب: لأن المستعجل لا ينتج شيئاً، فالذي اتخذ العجلة ديدناً له ولغاية غير نبيلة فهو في الحقيقة لا يعمل ولا يمكن أن ينتج شيئاً، لا في الدنيا ولا في الآخرة... لذلك الله عز وجل لم يخاطبهم بقوله: بل تعملون للعاجلة، وإنما قال عنهم: ﴿بل تحبون العاجلة﴾، لأنهم يحبون العاجلة حقيقة وليس ادعاءً، ولكن أي قيمة لهذا الحب إذا تعلق بالعاجلة ولم ينتج عملاً وكان هذا التعلق لغاية غير نبيلة ؟!

    ثم بعد ذلك يقول الله عز وجل: تعالوا لأفصّل لكم عن الآخرة، عمَنْ عاش الدنيا بحالة دائمة عنوانها العجلة ولغاية غير نبيلة، وعمن عاش الحياة بتأنٍ -والتأني هنا ممدوح- ولغاية نبيلة، تعالوا لأحدثكم عن حال هؤلاء في الآخرة وعن حال أولئك أيضاً في الآخرة... فهؤلاء: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة* إلى ربها ناظرة﴾ وهؤلاء: ﴿وجوه يومئذٍ باسرة* تظن أن يفعل بها فاقرة...﴾ إلى آخر الآيات والتي سنتحدث عنها في الأسبوع القادم إن شاء الله.

    طباعة الصفحة حفط الصفحة

    اخي الزائر اختي الزائرة
    لقد وصلنا تعليقك على الموضوع .
    سوف يتم عرضة في الوقت القريب

    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2014